تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير القرآنى للقرآن — صفحة 567

مساهمون:

ص٥٦٧
قوله تعالى :
« وَقُرْآناً فَرَقْناهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلى مُكْثٍ وَنَزَّلْناهُ تَنْزِيلًا »
. والواو في قوله تعالى :
« وَقُرْآناً »
هي واو العطف ، وما بعدها معطوف على الآية قبلها . . لتثبت وصفا آخر للقرآن . . فكما أنه نزل بالحق ، وبالحق استقرّ وثبت ، ولم يلحقه تبديل أو تحريف - هو كذلك نزل قرآنا منجّما ، ولم ينزل مرة واحدة . وفي تنكير
« قُرْآناً »
تنويه به ، ورفع لقدمه ، وأنه لتفرده بهذا الوصف ، مستغن عن كل تعريف . . إذ كان هو وحده المستأهل لأن يقرأ ، وأن يؤثر بالقراءة من كل قارئ . و « فرقناه » أي نزلناه مفرّقا ، ولم ينزل كلّا واحدا ، كما نزلت الكتب قبله . . وأصله من الفرق ، وهو الفصل بين الشيئين ، كما يقول سبحانه وتعالى :
« فَانْفَلَقَ فَكانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ »
( 63 : الشعراء ) أي أن موسى حين ضرب البحر بعصاه انفلق ، وانشق ، فكان كل فرق ، أي جانب ، كالجبل العظيم وقد قرئ « فرّقناه » بتشديد الراء . . وهذا يؤيد المعنى الذي أشرنا إليه كما يؤيده قوله تعالى بعد ذلك :
« لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلى مُكْثٍ »
. . فهذا تعليل للسبب الذي من أجله أنزل اللّه سبحانه وتعالى القرآن على مكث ، أي على زمن متطاول ، فنزل منجّما ، أي مفرّقا في نحو ثلاث وعشرين سنة . . وذلك ليعيش النبىّ والمؤمنون معه ، على هذا الزاد الكريم ، المختلف الألوان ، والطعوم ، طوال تلك المدّة التي كان القرآن يتنزل فيها ، وهم يرصدون مطلع كلّ آية ، ويشهدون بزوغ كل كلمة . . وبهذا ظل النبي والمؤمنون معه خلال هذه السنين الثلاث والعشرين في مقام الانتظار لهذا الضيف العظيم ، تطلع عليهم مواكبه موكبا ، موكبا ، وتلقاهم أضواؤه ، شعاعة شعاعة ، حتى إذا كان
التفسير القرآنى للقرآن — صفحة 567 | عبد الكريم الخطيب