في عمومه ، وهو أنه إذا ألبسه اللّه نعمة من نعمه ، بعد عن اللّه ، وشغل بهذه النعمة ، وأنه لا يذكر اللّه إلا إذا مسّه الضرّ . . فإذا ذكر اللّه في تلك الحال ، ذكره وقد بعدت به الطريق عن اللّه إذ قطع كل صلة بربّه ، وهذا من شأنه أن يضعف ثقته باللّه ، ويؤيسه من رحمته . . وهكذا الذين لا يؤمنون باللّه . . إنهم لا يرجون ثوابه ، ولا يطمعون في رحمته ، لأنهم لا يعرفونه ، بل ولا يعترفون به إلّا عند الشدّة والبلاء ، حيث تطيش أحلامهم ، ويضيع صوابهم . . وليس كذلك المؤمنون باللّه ، إنهم على طمع دائم في رحمته ، وعلى رجاء وثيق في كشف ما يحلّ بهم من سوء ، وما ينزل بهم من ضر . .
« إِنَّهُ لا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكافِرُونَ »
( 87 : يوسف ) .
هذا وفي الآية الكريمة باب فسيح من أبواب رحمة اللّه ، يدخل منه الناس جميعا إلى حيث يجدون الرحمة والإحسان . .
« قُلْ يا عِبادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ »
. . فسبحانك سبحانك من ربّ كريم رحيم . .
وشاهت وجوه من اتجهوا إلى غيرك ، ومدّوا أيديهم إلى سواك .
قوله تعالى :
« قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلى شاكِلَتِهِ فَرَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَنْ هُوَ أَهْدى سَبِيلًا »
. .
الشاكلة : الطبيعة التي يكون عليها الإنسان ، وهي التي تحدد طريقه ومذهبه في الحياة .
وفي هذه الآية إشارة إلى أن الناس ليسوا كلّهم على شاكلة هذا الإنسان الذي تحدثت عنه الآية السابقة في قوله تعالى :
« وَإِذا أَنْعَمْنا عَلَى الْإِنْسانِ أَعْرَضَ وَنَأى بِجانِبِهِ وَإِذا مَسَّهُ الشَّرُّ كانَ يَؤُساً »
. . ففي الناس من يقدر اللّه حقّ قدره ، إذا أنعم اللّه عليه ، شكر ، وإذا مسّه الضّرّ ، صبر ، وانتظر في أمل ورجاء رحمة اللّه ، وفضله . .