عابرة عبور الطيف ، يخون الإنسان يقينه ، ويفلت منه زمام أمره . . ثم يعود إلى موقفه ، أشدّ تثبتا ، وأقوى يقينا ، وأرسخ قدما . . إنها سحابة صيف ، تغشى وجه الشمس ، ثم لا تلبث حتى تزول ، وتسفر الشمس عن وجه أبهى بهاء ، وأضوأ ضوءا ، وأصفى صفاء مما كانت عليه قبل أن تمر بها تلك السحابة العابرة . .
فتلك الحال التي تمثل الرسل في هذا الموقف ، هي القمة التي تنتهى عندها طاقة الاحتمال البشرى ، في مصادمة الأحداث ، ومدافعة الأهوال والشدائد . .
وهي قمة لا يبلغها إلا أولو العزم من رسل اللّه . . حيث تون الخطوة التالية بعدها انخلاعا من عالم البشر ، إلى العالم العلوىّ ، وعندها تهبّ ريح النصر ، وتجىء أمداد السماء . ! وفي هذا ابتلاء للرسل ، واستخلاص لكل ما عندهم من مذخور . . من قوى الصبر والعزم والإيمان . .
- قوله تعالى :
« فَنُجِّيَ مَنْ نَشاءُ وَلا يُرَدُّ بَأْسُنا عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ »
- إشارة إلى أن نصر اللّه الذي يحقق به لرسله ما وعدهم به ، يحمل معه من الهلاك والبلاء للقوم المجرمين . . فإن هذا النصر إنما يمشى على جثث أعداء الرسل ، الذين حاربوهم هذه الحرب القاسية ، ودفعوا بهم إلى تلك المآزق الحرجة ، حتى لكادوا يفتنونهم في دينهم :
« يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِؤُا نُورَ اللَّهِ بِأَفْواهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكافِرُونَ »
( 32 : التوبة )
« لَقَدْ كانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبابِ . . ما كانَ حَدِيثاً يُفْتَرى وَلكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ وَهُدىً وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ »
الضمير في « قصصهم » يعود إلى الرسل المذكورين في قوله تعالى :
« حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ »
ففي قصص الرسل ، وفي الصراع الذي يدور بينهم وبين السفهاء والضالين من أقوامهم - في هذا القصص عبرة لأولى الأبصار ، وذوى الفطنة والرأي . . حيث ينجلى الموقف دائما عن إظهار دين اللّه ، وإعلاء كلمته ، وانتصار