تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير القرآنى للقرآن — صفحة 392

مساهمون:

ص٣٩٢
وكان إبراهيم مع إيمانه باللّه قانتا ، أي خاشعا للّه ، مسلما أمره له . . وكان « حنيفا » أي مائلا عن طرق الضلال والكفر . .
« وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ »
أي لم يشرك باللّه أبدا ، ولم تستجب فطرته لأن يعبد ما كان يعبد أبوه وقومه ، فنشأ مجانبا لهذه الضلالات ، عازفا عنها . وفي وصف إبراهيم - عليه السلام - بأنه كان « حنيفا » - إشارة إلى أن المجتمع الذي كان يعيش فيه إبراهيم كان مجتمعا يسير على طرق الكفر والشرك ، حتى لكأن ذلك هو وجهة الحياة في زمنه ، وحتى لكأن الخروج على هذه الوجهة ، يعدّ ميلا وانحرافا . . وهذا مما يعظم من شأن إبراهيم ، ويرفع قدره في العالمين ، بين أتباع الحق ، وأهل الإيمان . . فقد خرج إبراهيم بإيمانه عن هذا الإجماع المطلق ، وشق لنفسه ثقبا في هذا الحائط الصفيق ، المضروب حوله من الكفر ، ونفذ إلى عالم النور ! ولهذا استحق إبراهيم بأن يوصف هذا الوصف الكريم من ربه ، بأن كان حنيفا . . والحنيف هو المائل . . ولكنه هنا ميل إلى الحق والهدى والإيمان . . ولهذا أيضا اختصّ إبراهيم - عليه السلام - بهذا الوصف دون سائر الأنبياء . . إذ كان أمة وحده . - وفي قوله تعالى :
« وَما كانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ »
تعريض بالمشركين من أهل مكة ، إذ كانوا يدّعون أنهم على شريعة أبيهم إبراهيم . . فكيف يكونون على شريعته ، وهم مشركون ، وهو الحنيف ، الذي لم يكن في يوم من أيامه من المشركين ؟ وقوله تعالى :
« شاكِراً لِأَنْعُمِهِ اجْتَباهُ وَهَداهُ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ »
. . هو معطوف على خبر كان في قوله تعالى :
« كانَ أُمَّةً قانِتاً لِلَّهِ حَنِيفاً . . »
أي وكان شاكرا لأنعم ربه ، إذ اجتباه ربه ، أي اصطفاه لرسالته ، وأخرجه من عالم الكفر المتكاثف حوله ، وهداه إلى الحق ، والخير ، والإيمان . .