مِنَّا رِزْقاً حَسَناً فَهُوَ يُنْفِقُ مِنْهُ سِرًّا وَجَهْراً هَلْ يَسْتَوُونَ ؟ الْحَمْدُ لِلَّهِ . . بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ »
.
هذا مثل من الأمثال التي يضربها اللّه . . وفيه الحجة البالغة ، والبيان المبين ، لما بين الحق والباطل ، من بعد بعيد ! فهذا عبد مملوك . . هو في يد مالكه ، لا يملك من أمر نفسه شيئا . .
وهذا إنسان رزقه اللّه رزقا حسنا ، ليس لأحد عليه سلطان ، فهو ينفق من هذا الرزق الحسن كيف يشاء ، سرا وجهرا . . يعطى من يشاء مما في يده ، ويحرم من يشاء ! فهل يستوى هذا ، وذاك ؟ هل يستوى العبد والسيد ؟ هل يستوى المملوك والمالك ؟ ثم هل يستوى المخلوق والخالق ؟ هل يستوى من لا يملك ومن يملك ؟
هل يستوى من لا يرزق ومن يرزق ؟
العقلاء يحكمون بداهة أن لا مساواة بين هذين النقيضين . . ثم يخرجون من هذا إلى الاتجاه إلى اللّه بالحمد على أن كشف لهم الطريق إليه ، وعرّفهم به . .
أما أهل الزيغ والضلال ، فإنهم لا يجدون في هذا المثل شعاعة من أضوائه ، بل يظلون على ما هم عليه من عمى وضلال . .
- وفي قوله تعالى :
« الْحَمْدُ لِلَّهِ »
إشارة إلى أن هذا هو منطق الذين يستمعون إلى هذا المثل ويعقلون ، فيؤمنون باللّه ويحمدونه . .
قوله تعالى :
« وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلَيْنِ أَحَدُهُما أَبْكَمُ لا يَقْدِرُ عَلى شَيْءٍ وَهُوَ كَلٌّ عَلى مَوْلاهُ ، أَيْنَما يُوَجِّهْهُ لا يَأْتِ بِخَيْرٍ هَلْ يَسْتَوِي هُوَ وَمَنْ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَهُوَ عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ »
. . وهذا مثل آخر ، لما بين الحق والباطل من تفاوت كبير ، وبعد بعيد . .
هذان رجلان : أما أحدهما فأبكم ، مغلق الحواس ، والمشاعر ، والمدارك .
لا يفهم شيئا ، ولا يحسن شيئا . . إنه حيوان ، يمسك به من مقوده إلى حيث