قوله تعالى :
« وَقُلْ إِنِّي أَنَا النَّذِيرُ الْمُبِينُ »
- هو إعلام للنبي بالأذان الذي يؤذّن به في الناس جميعا ، وهو أنه النذير المبين ، الذي يكشف لهم معالم الطريق إلى الهدى ، ويريهم مغبة التنكّب عن هذا الطريق ، وركوب طرق الكفر والشرك . . وقد قالها النبىّ الكريم صريحة لهم كما جاء في قوله صلى اللّه عليه وسلم : « أنا النذير العريان » أي الفزع ، كالنذير الذي جاء ينذر قومه بالهلاك المقبل عليهم ، فأعجله ذلك عن أن يلبس ملابسه ، فجاءهم عريانا .
قوله تعالى :
« كَما أَنْزَلْنا عَلَى الْمُقْتَسِمِينَ * الَّذِينَ جَعَلُوا الْقُرْآنَ عِضِينَ »
.
المقتسمين : الذين اقتسموا كلام اللّه ، فأخذوا بعضه ، وأعرضوا عن بعض . .
وهؤلاء هم أهل الكتاب من اليهود الذين قال اللّه سبحانه وتعالى فيهم :
« أَ فَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَما جَزاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذلِكَ مِنْكُمْ إِلَّا خِزْيٌ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَيَوْمَ الْقِيامَةِ يُرَدُّونَ إِلى أَشَدِّ الْعَذابِ وَمَا اللَّهُ بِغافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ »
( 85 : البقرة ) . . والعضين : جمع عضو ، وأصله عضوين .
والتشبيه في قوله تعالى :
« كَما أَنْزَلْنا عَلَى الْمُقْتَسِمِينَ »
يشير إلى المشبه ، وهو قوله تعالى
« وَقُلْ إِنِّي أَنَا النَّذِيرُ الْمُبِينُ »
أي قل هذا القول لقومك ، كما قاله الرسل السابقون إلى أقوامهم ، فيما أنزلنا على هؤلاء المقتسمين من أهل الكتاب على يد رسلهم . . إذ كل رسول كان لسانه إلى قومه هو قوله :
« إِنِّي أَنَا النَّذِيرُ الْمُبِينُ »
.
- وقوله تعالى :
« الَّذِينَ جَعَلُوا الْقُرْآنَ عِضِينَ »
هو صفة للمقتسمين ، وكشف عن معنى ما اقتسموه ، وهو القرآن الكريم الذي قبلوا بعضه ، وردّوا بعضه ، فجعلوه أبعاضا ، وهذا - فوق أنه كفر - هو سفه ، ومكر بآيات اللّه . . فإن الحقّ كيان واحد ، فإما أن يقبل كله ، أو يرد كلّه . .
والقرآن الكريم إما أن يكون كلام اللّه ، فيقبل ، أو لا يكون من كلام اللّه ،