على خلافته في هذه الأرض ومكّن لهم من أسباب الحياة فيها ، فبسط الأرض ، وأنزل عليها من السماء ماء ، وأجرى فيها الأنهار ، وفجر العيون ، وسخّر ما في السماوات من كواكب ، ونجوم ، وما في الأرض من عوالم وكائنات . وأودع في الإنسان عقلا ، يقدر به على أن يهتدى إلى مواطن النفع من هذه الموجودات ، وأن يقيم منها هذه الدنيا ، التي نسج من خيوطها هذا الثوب الجميل الذي تزدان به ، كما تزدان العروس في ليلة عرسها .
هذا ، وليس المراد بقوله تعالى :
« وَآتاكُمْ مِنْ كُلِّ ما سَأَلْتُمُوهُ »
أن كل إنسان قد أوتى سؤله ، واستوفى كل مطلوبه من دنياه ، فهذا - وإن بدا في ظاهره أنه خير - هو في حقيقته آفة تغتال مطامح الإنسانية ، وتقتل آمالها ، وتدفن ملكاتها . . إذ لو توفرت لكل إنسان حاجته ، لما جدّ وسعى ، ولما تفتق عقله عن هذه العلوم والمعارف ، التي كشف بها أسرار الطبيعة ، وأخرج المخبوء في صدرها ، وأقام له سلطانا على هذا الكوكب الأرضي ، الذي جعله اللّه خليفة عليه . .
وإنما المراد بقوله سبحانه :
« وَآتاكُمْ مِنْ كُلِّ ما سَأَلْتُمُوهُ »
- هو الإنسانية كلها في مجموعها ، وأن ما سخر اللّه لها من عوالم السماوات والأرض ، وما أودع فيها من قوى التفكير والتدبير ، هو بمنزلة إعطاء الناس كل ما أرادوا . .
فبين أيديهم كل ما يحتاجون إليه . . وليس عليهم لكي يحصلوا على ما يريدون إلا أن يعملوا ، ويجدّوا في العمل ، وأن يديروا عقولهم على هذه الموجودات ، وأن يلقوا بشباكهم في كل أفق ، فتجيئهم ملأى ، باللئالئ والأصداف ، والدرّ والحصى ! وهذا يعنى أن هذه الدنيا ليست للإنسان وحده ، وإنما هي للإنسانية كلها ، وأن الناس في مجموعهم أشبه بالجسد الواحد ، تتعاون أعضاؤه جميعا على حفظ هذا الجسد ، وصيانته ، وتوفير أسباب الحياة الطيبة له . . !