لم يحمله على المستقبل ، بل حمله على الحال التي كان يعيش فيها . ويتوقع الخير الذي يحمله أبناؤه العائدون من مصر . . عندئذ يلقى يعقوب أبناءه بقوله ، الذي حكاه القرآن الكريم عنه :
« قالَ هَلْ آمَنُكُمْ عَلَيْهِ إِلَّا كَما أَمِنْتُكُمْ عَلى أَخِيهِ مِنْ قَبْلُ . . فَاللَّهُ خَيْرٌ حافِظاً وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ »
.
لقد تمثّل له في هذا الموقف ما كان منهم من إلحاح عليه في طلب يوسف ، ليرتع ويلعب معهم ، كما يقولون ، ثم جاءوا إليه عشاء يبكون ، قائلين :
« يا أَبانا إِنَّا ذَهَبْنا نَسْتَبِقُ وَتَرَكْنا يُوسُفَ عِنْدَ مَتاعِنا فَأَكَلَهُ الذِّئْبُ »
! لقد تمثل له هذا الموقف ، فرأى فيما يطلبه أبناؤه منه الآن صورة مشابهة تماما له ، وأن الذي دبّروه ليوسف ليس ببعيد أن يدبّر مثله لأخيه ! - ففي قوله :
« هَلْ آمَنُكُمْ عَلَيْهِ إِلَّا كَما أَمِنْتُكُمْ عَلى أَخِيهِ مِنْ قَبْلُ ؟ »
- اتهام لهم بالكيد ليوسف أولا ، ثم السير في طريق الكيد لأخيه . . ثانيا . . ثم هو - مع هذا الاتهام - ينكر عليهم أن يعودوا فيكرروا فعلهم المنكر الذي فعلوه بيوسف فيفعلوه بأخيه . ! - وفي قوله :
« فَاللَّهُ خَيْرٌ حافِظاً وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ »
. . هو عزاء له ، يعزّى به نفسه في حزنه على يوسف ، وذلك بتسليم الأمر للّه سبحانه ، والاستسلام لقدره ، والرضا بمقدوره . وأنه سبحانه لو أراد حفظ يوسف لحفظه ، فهو خير الحافظين ، لا يقع شئ في هذا الوجود إلا بأمره . .
« وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ »
. . فما ينزل بالناس من مكروه ، هو واقع بهم من ربّ رحيم ، فهو رحمة بالنسبة لما هو أقسى منه وأوجع ! قوله تعالى :
« وَلَمَّا فَتَحُوا مَتاعَهُمْ وَجَدُوا بِضاعَتَهُمْ رُدَّتْ إِلَيْهِمْ قالُوا