بتساؤلات كثيرة ، أطلعته منهم على ما كان بينهم وبين العزيز حتى لقد عادوا دون أن يكال لهم كما يكال للناس ! وهنا ينكشف ليعقوب ما أخفاه عنه أبناؤه لأمر ما . . لقد كال لهم العزيز ، وعاد كل منهم ومعه حمل بعير . . ! وإذن فما ذا أرادوا بقولهم :
« يا أَبانا مُنِعَ مِنَّا الْكَيْلُ »
؟
إنهم أرادوا أن يحققوا بذلك أمورا . . منها :
أولا : الاستيلاء على عواطف أبيهم ، وذلك بمواجهته بهذا الخبر الذي يبعث فيه الهمّ والقلق . . ثم لقائه فجأة بهذا الخبر الهنيء المسعد . . إنهم قد اكتالوا ، وجاء كل منهم بحمل بعير . . ولكنهم منعوا مستقبلا من أن يكال لهم ، حتى يكون معهم أخوهم من أبيهم ! ! وثانيا : في الحديث عن منع الكيل في المستقبل إلا بتحقيق هذا الشرط ، إغراء لأبيهم بالمبادرة إلى إجابة طلبهم حتى يسرعوا بالعودة إلى مصر ، ليأخذوا دورهم من الميرة قبل أن تنفد ! وها هو ذا يعقوب لا يزال واقعا تحت تأثير الصدمة التي صدم بها حين سمع قولهم :
« يا أَبانا مُنِعَ مِنَّا الْكَيْلُ »
. . وإنه الآن لحريص على ألا تفوته الفرصة المواتية لجلب الميرة ، مهما كان الثمن غاليا ! ! وهكذا أصاب قولهم :
« يا أَبانا مُنِعَ مِنَّا الْكَيْلُ »
- أصاب من أبيهم ما أرادوا من تخويفه بالمستقبل ، إن لم يبادر ببعثهم إلى مصر مرة أخرى ليكتالوا ، وأن يذلل كل صعب لإنفاذ هذا الأمر . . فهم صادقون في قولهم :
« مُنِعَ مِنَّا الْكَيْلُ »
لأنه منع منهم مستقبلا إن لم يجيئوا معهم بأخيهم من أبيهم ، كما قال لهم يوسف :
« ائْتُونِي بِأَخٍ لَكُمْ مِنْ أَبِيكُمْ »
. . وكما قال :
« فَإِنْ لَمْ تَأْتُونِي بِهِ فَلا كَيْلَ لَكُمْ عِنْدِي وَلا تَقْرَبُونِ »
. . ولكن هذا الخبر حين ألقوه إلى أبيهم