تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير القرآنى للقرآن — صفحة 1245

مساهمون:

ص١٢٤٥
-
« وَجاؤُ أَباهُمْ عِشاءً يَبْكُونَ »
وتلك أول أمارة من أمارات الكذب الذي جاءوا به . . إنهم جاءوا ملففين في ظلام اللّيل ، خوفا من أن يفضحهم ضوء النهار ، ويمزّق هذا القناع الزائف المموه بتلك الدموع الكاذبة ، التي بلّلوا بها خدودهم . إن العين إذا التقت بالعين كشفت عن كثير من خفايا النفس ، وقرأت ما لا يصرّح به اللسان ، ولا تبوح به الكلمات . . ولهذا يجرؤ الإنسان على أن يقول في الظلام ، ما لم يكن يقوله في النور ، حين تلتقى العين بالعين ! ! إنه يخبط خبط عشواء ، ويرمى بالكلام في غير مبالاة ! إن العين هي حاسّة الحياء ، وموطن الاستحياء . . ولا ينكشف ذلك لها إلا وهي مبصرة . . ولهذا ، فإن أصحاب الحياء يضعون أيديهم على أعينهم ، حين يرون ما يستحيا منه ، أو ينطقون بكلمة تخدش الحياء . . ثم كان البكاء فضيحة أخرى لهم . . إنّه تباك وليس بكاء . . إنه أصوات ليس فيها حرقة الكبد ، وزفرة الصدر الكليم ! والاذن قادرة على أن تميز التباكي من البكاء ، وتفرق بينهما ! وقد عرف يعقوب هذه القصّة الملفقة من أول لقاء ببنيه ، ولأول كلمة سمعها منهم ! - وفي قولهم :
« وَما أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنا وَلَوْ كُنَّا صادِقِينَ »
فضيحة ثالثة ، تفضح هذا الباطل ، وتكشف عن هذا الزور . . إنهم يتهمون أباهم - مقدّما - بأنه لن يقبل شهادتهم تلك ، لأنهم هم - في الواقع - لا يقبلونها فيما بينهم وبين أنفسهم . . ولو أنهم كانوا صادقين حقّا لما وقع في تصوّرهم هذا ، ولما توقعوه قبل أن يقع . . إنهم اتهموا أنفسهم بقولهم :
« وَما أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنا وَلَوْ كُنَّا صادِقِينَ »
. . اتهموها قبل أن يتهمهم أبوهم . . وهكذا شأن كل متّهم . . إنه يتهم