تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير القرآنى للقرآن — صفحة 1246

مساهمون:

ص١٢٤٦
نفسه قبل أن يتهمه أحد . . فهو يطوف دائما حول جريمته إن لم يكن بجسده ، فبمشاعره ، وهمس خواطره .
« وَجاؤُ عَلى قَمِيصِهِ بِدَمٍ كَذِبٍ قالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْراً فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللَّهُ الْمُسْتَعانُ عَلى ما تَصِفُونَ »
. والدم الذي جاءوا به ، هو دليل رابع على أن القصة ملفّقة . . فما ذا يحملهم على حمل هذا الدم إلى أبيهم . ؟ أليسوا هم أولياء هذا الدم وأهله ؟ وهل يجد ولىّ الدم قدرة من نفسه على حمل إصبع ، أو عين ، أو رأس ، من ابنه أو أخيه المقتول ، ثم يطوف بها ، ويقلبها بين يديه ، ويعرضها على الأنظار ؟ ذلك ما لا يكون ، لو أن الذئب كان حقّا هو الذي عدّا على يوسف وأكله ! وإذا كان لا بد من مجىء شاهد من هذا القتيل ، فإن الدم لا يقوم شاهدا أبدا ، إذ ما أيسر أن يحصل الإنسان على الدم الذي يريد . . من إنسان ، أو حيوان بل ومن نفسه أيضا . . فليكن الشاهد إذن ، رأسه ، أو رجله ، أو يده . . إذ من غير المعقول أن يأتي الذئب على كل أجزاء ضحيته . . وخاصة إذا كان غلاما في سن يوسف ، الذي قيل إنه كان في العاشرة أو أكثر من عمره ! ويقرر علم الإجرام ، أن المجرم ، مهما كان ذكيا حذرا ، لا بد من أن يترك أثرا يدل عليه ، وأن يقع في تدبيره خلل ما ، يكون مفتاحا للكشف عنه ! قيل إن القميص الذي جاءوا به ملطخا بالدم ، كان سليما لم يمسّه الذئب المزعوم ، بظفر أو ناب ! ! قالوا : ولهذا عجب يعقوب من هذا ، وقال متهكما : « تاللّه ما رأيت كاليوم ذئبا أحلم من هذا . . أكل ابني ولم يمزّق قميصه ! ! ؟ - وفي قوله تعالى :
« بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْراً »
اتهام صريح من يعقوب لبنيه ، وأن ذلك الأمر الذي فعلوه إنما هو مما سوّلته لهم أنفسهم ، أي زينته لهم ، وأغرتهم به . . ولكنه لا يملك شيئا يفعله إزاء هذه المحنة ، إلا الصبر :