تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير القرآنى للقرآن — صفحة 1222

مساهمون:

ص١٢٢٢
وطبيعي أن هذه الدعوة قد أغرّت عامة الناس على الاندفاع وراءها في هوس مجنون إذ فتحت أمامهم أبوابا فسيحة يدخلون منها إلى ما يشتهون . . وينالون من قريب كل ما يحبون . . ولكن سرعان ما اصطدم الناس بالواقع ، بعد أن صحوا من هذا الحلم الجميل ، وأفاقوا من تلك الهلوسة المحمومة . فلم يروا بين أيديهم إلا سرابا خادعا يحسبه الظمآن ماء ، حتى إذا جاءه لم يجده شيئا . . ذلك أن الناس في ظل هذه الدعوة ، تستولى عليهم مشاعر الأثرة والأنانية ، التي تحملهم على أن يأخذوا دون أن يعطوا ، وأن يحصدوا من غير أن يزرعوا . . وهذا من شأنه أن يحيل الخصب جدبا ، والعامر خرابا . . ثم ينتهى الأمر أخيرا إلى استبداد الأقوياء بالضعفاء ، استبدادا دونه ما يجرى في الغابة بين عالم الحيوان ! يأكل قويّهم ضعيفهم في غير شفقة أو مرحمة ، ثم تجىء الخاتمة المفجعة ، فإذا كلهم مأكول بيد الضياع والفناء . . وحسبنا أن نذكر هنا ما كان من دعوة « مزدك » ودعوة « بابك الخرّمى » . . فقد كانتا أشبه بإعصار عات لفّ الناس في كيانه ، وحملهم على جناحه ، ثم ألقى بهم من حالق . . فكانوا في الهالكين ! الاختلاف إذن بين الناس ، ووضع كل إنسان موضعه في الحياة ، حسب استعداده ، هو الذي يمكّن للمجتمع الإنسانى أن يحيا حياة خصبة ، تملأ هذه الدنيا خيرا يسعد به الناس جميعا ، ويتساقون كئوسهم فيما بينهم . . وغاية ما هو مطلوب هنا - كي تطيب للناس حياتهم ، وينتظم خطوهم في موكب الحضارة والمدنية - هو أن تقوى بينهم مشاعر الأخوة الإنسانية ، وتؤلّف بين قلوبهم عواطف التراحم ، والتوادّ ، حتى يتخففوا من دواعي الأثرة والأنانية . . وهذا ما جاءت له الشرائع السماوية ، وما قامت من أجله