وكذلك شأن الإنسان مع الحياة ومع الناس . . إنه يرى نفسه من خلال نظرتين . . نظرة لا يرى منها إلا نفسه هو ، ووجوده هو ، ونظرة يرى منها نفسه ، عضوا - كبيرا أو صغيرا - في المجتمع . .
فتعاليم الإسلام تعترف اعترافا كاملا واضحا بذاتية الإنسان وبفرديته ، وتفسح لهذا الجانب من الإنسان مكانا بارزا في تشريعاتها وأحكامها . . فالإنسان في نظر الإسلام - من هذه الجهة - عالم صغير ، له فلكه الذي يدور فيه ، وله مشاعره التي يحيا بها ، وعواطفه التي يعيش فيها ، وضميره الذي يحتكم إليه .
ومن جهة أخرى ، فإن الشريعة الإسلامية ، لا تقف بالإنسان عند هذا الشأن من شؤونه ، بل تلقاه عضوا في المجتمع الإنسانى كله ، من أضيق حدوده ، في مجتمع الأسرة ، إلى غاية مداه ، في الإنسانية جميعها ، بل إنها تتجاوز هذا إلى المجتمع الحيواني ، بل إلى الوجود كله . . فهي تدعو الإنسان إلى أن يكون نغما منسجما مع هذا اللحن الخالد ، الذي يشترك فيه الكون كله ، معبّرا به عن جلال الخالق العظيم وقدرته ، وعلمه ، وحكمته . . وإنه لمن الشقاء الذي ليس بعده شقاء ، أن يكون الإنسان صوتا [ نشازا ] في هذا اللّحن الكوني الرائع . .
إنه سينفصل حينئذ عن الوجود . . ثم لا يكون له وجود ! وأرانا قد بعدنا عن موضوعنا الذي تحدثت عنه الآية الكريمة :
« وَلَوْ شاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً واحِدَةً وَلا يَزالُونَ مُخْتَلِفِينَ إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذلِكَ خَلَقَهُمْ »
. . ولكن عذرنا في هذا ، هو أن قضية الاختلاف بين الناس ، ليست قضية ذات وجه واحد ، قائم على هذا الاختلاف الظاهر بين الأفراد ، بل هي قضية - كما قلنا - ذات وجهين : وجه ظاهر يقوم عليه هذا الاختلاف الذي تشهده الحياة بين الناس والناس ، ووجه خفيّ ، تضيع في ثناياه وجوه هذا الاختلاف ، فيبدو الناس جميعا كيانا واحدا ، وجسدا واحدا . . الأمر الذي