ومدين : على أطراف الجزيرة العربية من جهة الشام . . وقد نسب إليها القوم الذين كانوا يعيشون فيها ، وهم قوم شعيب ! ودعوة شعيب إلى قومه ، هي دعوة كل نبي ، جاء ليصحح عقيدة قومه التي لعبت بها الأهواء ، وأفسدها الجهل والسفه . .
فهو يدعوهم إلى الإيمان باللّه ، وترك ما بين أيديهم من معبودات غيره :
* « يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ »
. . تلك هي مفتتح دعوته ، بل وخاتمتها . . فالإيمان باللّه ، وإفراده بالألوهية ، هو الفلك الذي تدور حوله تعاليم الأنبياء ، وهو الينبوع الذي ترتوى منه قلوب المؤمنين ، والمغترس الذي تغتذى منه وجداناتهم ومشاعرهم ، والمصباح الذي تستضىء به أبصارهم ، وتهتدى به بصائرهم . . فإذا عرف المرء ربه وآمن به ، عرف الطريق إلى كل خير ، وتفتح قلبه لاستقبال كل رشاد . .
ولهذا فقد جاءت دعوة شعيب لقومه ، بألّا ينقصوا المكيال والميزان - بعد دعوتهم إلى الإيمان باللّه :
« اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ وَلا تَنْقُصُوا الْمِكْيالَ وَالْمِيزانَ »
. . وذلك أنهم لو آمنوا باللّه لكان تقبلهم لدعوته تلك ، أمرا مقبولا عندهم ، لا يراجعونه فيه . .
* وفي قوله :
« إِنِّي أَراكُمْ بِخَيْرٍ . . وَإِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمْ عَذابَ يَوْمٍ مُحِيطٍ »
تحريض لهم على الإيمان باللّه ، وإغراء لهم باستنقاذ أنفسهم من الهلاك ، لأنه يتوسم فيهم الخير ، ويضنّ بهم أن يكونوا من أهل الشقوة والبلاء في الدنيا ، والعذاب الأليم في الآخرة . . ويصحّ أن يكون قوله :
« إِنِّي أَراكُمْ بِخَيْرٍ »
مرادا به أنهم في حال من الرخاء والنعمة وسعة الرزق ، بحيث لا تضطرهم الحاجة إلى الخيانة في الكيل والميزان . والرأي الأول أولى .
وفي وصف العذاب بأنه عذاب يوم محيط ، إشارة إلى شناعة هذا العذاب