تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير القرآنى للقرآن — صفحة 1053

مساهمون:

ص١٠٥٣
وليس نوح وحده هو الذي دعا دعوة الحقّ ، وحمل رسالة السماء بالهدى والإيمان إلى عباد اللّه ، بل هناك رسل كثيرون ، جاءوا إلى أقوامهم بما جاء به نوح . . يحملون آيات بينات من عند اللّه ، ولكن الناس هم الناس ، والقوم هم القوم ،
« فَما كانُوا لِيُؤْمِنُوا بِما كَذَّبُوا بِهِ مِنْ قَبْلُ »
. . فلم يستجيبوا للرسل ، ولم يأخذوا بالهدى الذي معهم ، ولم يخلوا قلوبهم من الضلال الذي انعقد عليها وسكن فيها . .
« كَذلِكَ نَطْبَعُ عَلى قُلُوبِ الْمُعْتَدِينَ »
أي نختم عليها ، فلا يدخل إليها شعاع من نور الحق ، ولا يطلع عليها صبح اليقين . . إنها في ظلام دامس دائم أبدا . . وفي هذا تهديد لمشركي قريش ، إذ هم في معرض أن يؤخذوا بما أخذ به قوم نوح ، فقد طبع اللّه على قلوبهم مثل ما طبع على قلوب قوم نوح من قبلهم . - وفي قوله تعالى :
« فَما كانُوا لِيُؤْمِنُوا بِما كَذَّبُوا بِهِ مِنْ قَبْلُ »
. . إشارتان : الإشارة الأولى : أن هؤلاء المكذبين الضالين لم يكونوا ليؤمنوا أبدا ، ولو جاءتهم كل آية . . وهذا هو السر في اختلاف النظم باستعمال فعل المستقبل ، ليؤمنوا ، وكان ظاهر النظم يقضى بأن يجئ الفعل ماضيا ، هكذا : فما آمنوا ، ليتّسق مع قوله تعالى
« ثُمَّ بَعَثْنا مِنْ بَعْدِهِ رُسُلًا إِلى قَوْمِهِمْ »
فما آمنوا أو فلم يؤمنوا . . ولكن جاء النظم القرآني :
« فَما كانُوا لِيُؤْمِنُوا »
ليدل على عدم توقع الإيمان منهم مستقبلا ، ثم ليتسع الفعل المضارع لقبول لام الجحود « ليؤمنوا » . . ليؤكد عدم توقع الإمكان منهم بحال أبدا . . والإشارة الثانية : هي في قوله تعالى :
« بِما كَذَّبُوا بِهِ مِنْ قَبْلُ »
. . فالذي كذبوا به من قبل ، هو الإيمان باللّه ، إذ كانوا قبل أن تأتيهم الرسل منكرين للّه ، مكذبين بوجوده . . وقد انعقدت قلوبهم على هذا ، فلم يكن لدعوة