تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير القرآنى للقرآن — صفحة 523

مساهمون:

ص٥٢٣
- إذا نحن ذكرنا ذلك ، رأينا أن هذا الرجل هو ذلك الإنسان عينه ، بلحمه ودمه ، وبكل مشخصاته ، في جميع أحواله . . ومعنى قوله تعالى :
« وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْناهُ آياتِنا فَانْسَلَخَ مِنْها »
أي أتل عليهم ما نقص عليك من خبر هذا الإنسان الذي أسمعناه آياتنا ، فعرف وجه الحق فيها ، واطلع على علو متنزلها ، وأنها من اللّه ربّ العالمين . . فآمن بها ، وسجد بين يديها ، ولكن التوفيق لم يكن رفيقه ، إذ سرعان ما نكص على عقبيه ، وأسلم نفسه لشياطين قومه ، فاستجاب لما دعوه إليه ، وانسلخ من آيات اللّه بعد أن كانت مستولية عليه . .
« فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطانُ »
أي جرى وراءه ، يوسوس له بالضلال ، ويزيّن له الباطل ، ويغويه بالكفر . .
« فَكانَ مِنَ الْغاوِينَ »
.
« وَلَوْ شِئْنا لَرَفَعْناهُ بِها »
أي ما أراد اللّه له الخير ، وما شاء سبحانه أنه يتمّ نعمته عليه ، لأن طبعه نكد ، وقلبه سقيم . . « ولكنه أخلد إلى الأرض واتبع هواه » . . أي لصق بالأرض ، ونزل منزل الحشرات والهوام فيها ، ولم يرد أن يسمو بنفسه ، ويرتفع بوجوده ويعلو بإنسانيته . . ولو أنه فعل لأعانه اللّه على ذلك ، وسدّد خطاه ، وأمسك به على الطريق المستقيم ، الذي وضع قدمه عليه . فمطلوب من الإنسان أن تكون له إرادة عاملة ، تلتقى مع إرادة اللّه . . فإن أراد خيرا ، وعمل له ، وتمسك به ، أراد له الخير ، وأعانه عليه ، ووفقه له . .
« إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ ما بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا ما بِأَنْفُسِهِمْ
. . وَإِذا أَرادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوْءاً فَلا مَرَدَّ لَهُ وَما لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ والٍ »
( 11 : الرعد ) .
« فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ »
. . ذلك هو مثل أهل الزيغ والضلال . . لا يجئ منهم إلا ما هو شر وضلال . . إنهم على تلك الحال دائما . . لو لم يدعهم أحد إلى الضلال لدعواهم أنفسهم إليه . . فحالهم
التفسير القرآنى للقرآن — صفحة 523 | عبد الكريم الخطيب