تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير القرآنى للقرآن — صفحة 493

مساهمون:

ص٤٩٣
عَلى قُلُوبِهِمْ فَلا يُؤْمِنُوا حَتَّى يَرَوُا الْعَذابَ الْأَلِيمَ »
فيلقاهما اللّه سبحانه بقوله :
« قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُما »
( 88 - 89 : يونس ) . أما هنا ، إذ يدعو موسى ربه له ولأخيه ولقومه ، فلا يقبل اللّه هذا الدعاء على إطلاقه ، بل يقبله في المؤمنين ، الذين يستقيمون على طريق الإيمان والخير :
« عَذابِي أُصِيبُ بِهِ مَنْ أَشاءُ وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ »
وفي تقديم العذاب إشارة إلى أن العذاب هو الجزاء المرصود لبنى إسرائيل ، وأن الرحمة التي تنالهم ، هي الرحمة العامة التي تسع الوجود كله ، حتى أهل النار في النار ! والسؤال هنا : ما معنى
« وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ »
إذا كانت لا تنال العصاة والضالين والكافرين ؟ ، أليس هؤلاء العصاة الضالون الكافرون من أشياء هذا الوجود ؟ . فكيف لا تسعهم رحمة اللّه التي وسعت كل شئ ؟ . والجواب على هذا : أن كتابة الرحمة شيء ، وسعتها للناس شئ آخر . فالكتابة لمن كتبت لهم الرحمة تعنى - كما قلنا - تقريرها ووقوعها ، وشمولها ، فمن كتبت لهم الرحمة - جعلنا اللّه منهم - فهم السعداء ، الذين تفتح لهم أبواب الجنة ، ويلقّون فيها تحيّة وسلاما . . وأما سعة الرحمة فإن الوجود جميعه - علوه وسفله - والناس جميعا - برّهم وفاجرهم - داخلون في رحمة اللّه ، التي وسعت كل شئ . . وقد قلنا من قبل إن الوجود في ذاته - على أسوأ وجه يراه الإنسان - هو في ذاته نعمة ، ورحمة ، لأنه خير من العدم . . ثم إن العصاة - في الدنيا - لم يحجب اللّه عنهم نعمه ، ولم يحرمهم رزقه ، ولم يصبهم في جوارحهم التي يعيشون بها مثل سائر الناس . وأصحاب النار وهم في النار ، هم ممن وسعتهم رحمة اللّه ، إذ هناك عذاب فوق هذا العذاب ، وبلاء أكبر من هذا البلاء ، وقد وقف اللّه بهم عند هذا