تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير القرآنى للقرآن — صفحة 808

مساهمون:

ص٨٠٨
فالفقراء . . هم أحق جماعة في المجتمع الإنسانى ، بالرّعاية والحماية ، من آفة الفقر التي تفتك بهم ، وتغتال المعاني الإنسانية فيهم . . ومحاربة هذه الآفة - فوق أنه واجب إنسانىّ تفرضه الأخوة الإنسانية ، وتقتضيه لحمة النسب بين الإنسان والإنسان - هي حماية للأغنياء أنفسهم ، وضمانة لأمنهم وسلامتهم هم ، في أموالهم وأنفسهم ، من عادية الفقراء عليهم ، والتذرع بكل وسيلة ممكنة ، يجد فيها الفقراء منفذا ينفذون منه إلى ما عند الأغنياء ، ليشبعوا جوعتهم ، وليدفعوا عن أنفسهم خطر الموت جوعا . . فالسّرقة ، والنهب ، والاغتصاب ، والقتل الفردى أو الجماعي . . كل هذا وكثير غيره مما يتولّد عنه - هو مما يراه الجياع المحرمون - إن كان للجائع المحروم أن يرى - حقّا مشروعا لهم ، في الدفاع عن النفس ، واتقاء خطر الموت الذي يتهددهم . . إذ ليس عند الفقير المحروم المشرف على الموت جوعا - ما يحرص عليه ، غير نفسه تلك ، التي يكاد يفقدها ، إن هو لم يعمل على إنقاذها ، ولو كان ذلك ما يحمله على ركوب كل مهلكة . . فإنه هالك لا محالة ، إن هو لم يعمل عملا في وجه هذا الخطر الذي يتهدده . . وإنه لا بد له أن يعمل بدافع غريزة حبّ البقاء . ولن يكفّ عن العمل ما دام في صدره نفس يتردد . . إن الغريق الذي ابتلعه اليمّ لا يكفّ عن الضرب بكيانه كلّه في وجه الماء ، ضربات محمومة ، مجنونة ، يائسة ، وكأنه بهذا ينتقم لنفسه من اليمّ الذي أوقعه في شباكه ! يقول الإمام الشافعي - رضى اللّه عنه - : « لا تشاور من ليس في بيته دقيق ، فإنه مولّه العقل » . أي شارد العقل ، مضطرب التفكير . فالفقراء خطر يهدد المجتمع من أكثر من وجه . . يهددونه بالخروج على شرائعه السماوية والوضعية ، وبالتحلل من كل