تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير القرآنى للقرآن — صفحة 770

مساهمون:

ص٧٧٠
وعلى هذا يكون المراد بقوله تعالى :
« انْفِرُوا خِفافاً وَثِقالًا
، أي فرّوا خفافا وثقالا . . ولكن الفرار من أين ؟ وإلى أين ؟ الفرار من حبّ الحياة ، والتعلق بما للإنسان فيها من هوى إلى المال والأهل والولد . . ثم اللّجأ إلى اللّه ، وإلى الجهاد في سبيل اللّه ! ! وهذا ما يشير إليه قوله تعالى :
« فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ »
( 50 : الذاريات ) . فالدعوة إلى الجهاد في سبيل اللّه ، الذي تحمله كلمة « الفرار » هي دعوة إلى أمرين معا : الأول : الانخلاع من سلطان الدنيا ، المستولى على النفوس ، وذلك لا يكون إلا بمغالبة أهواء النفس ، والوقوف منها موقف العدوّ الذي يتربص للإنسان على طريق الخير ، ليحول بينه وبين الوصول إليه ، فيفرّ المؤمن من دواعي الحياة الدنيا ، فراره من العدوّ ، الذي إن تلبّث أو فتر في الفرار منه ، هلك ! ! والثاني : التماس السّبل التي تخلّص الإنسان من الوقوع ليد هذا العدوّ ، الذي يحول بينه وبين الخير المدعوّ إليه من قبل ربّه ، وهو الجهاد في سبيل اللّه . . وذلك لا يكون إلا بالفرار من وجه هذا العدوّ ، واتخاذ وجهة أخرى غير الوجهة القائمة على سمته . . وتلك هي وجهة الجهاد في سبيل اللّه . وفي قوله تعالى :
« اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ »
كناية عمّا يستولى على الإنسان من مشاعر التحير والانهزام ، حين يواجه امتحانا عسيرا ، لم يكن مهيّأ له من قبل ولم يكن على نية صادقة ، وعزيمة مجتمعة لخوض غماره . . وأصل
« اثَّاقَلْتُمْ »
تثاقلتم ، فأدغمت التاء في الثاء ، لتقارب مخرجيهما ، ثم جئ بهمزة الوصل ، حتى لا يبدأ بحرف ساكن ، الأمر الذي لا تستسغيه العربية . .