من النزعات ، فذلك ما لم يكن ولن يكون أبدا . . فإن القوة إنما تخدم غرضا ذاتيا يعيش في كيان إنسان من الناس ، أو جماعة من الجماعات ، ولن تتجاوز حياتها بحال حياة هذا الإنسان أو تلك الجماعة . . ثم يموت المبدأ أو المنزع ، بموت القوة التي أقامته ، وحرسته ! ونفترض جدلا أن تقوم قوة ما لخدمة غاية من الغايات أجيالا متعاقبة ، ونفترض جدلا كذلك ، أن هذه الأجيال قد تواصت فيما بينها على اتخاذ هذه القوة حارسة على هذه الغاية التي تنشدها وتعيش فيها . .
فهل حدث هذا في المجتمع الإسلامي ؟ وهل كانت القوة دائما إلى جانب الإسلام ، تحرسه ، وتدافع عنه ؟
التاريخ يشهد شهادة لا شك فيها - وواقع المسلمين اليوم ينطق بها - بأن دولة المسلمين التي قامت في صدر الإسلام ، والتي كان لها ما كان من قوة وسطوة - هذه الدولة ، قد تفككت وانحلت بعد ثلاثة قرون ، وعراها الوهن والضعف ، وأصبحت دولة الإسلام إمارات ودويلات متنابذة متخاصمة ، وخضع كل صقع من أصقاع هذه الدولة ، لقوى غاشمة طاغية ، تضمر للمسلمين كل عداوة ، وترصد للإسلام كل شر . .
لقد وقع الإسلام والمسلمون في وجه عواصف عاتية جائحة ، للغزو البربري ، الذي كان من شأنه أن يدمر كل شئ ، ويأتي على كل شئ ، لولا قوة هذا الدين ، وما غرس في أتباعه من معالم الحق والخير . . وحسبك أن تذكر هنا الغزو التترى ، أو الغزو المغولي . . فما مرّ أحدهما بمواطن من المواطن إلا أحاله خرابا يبابا . . ثم حسبك أن تذكر الحروب الصليبية ، ثم الاستعمار الغربي الذي تسلط على قارتى أفريقيا وآسيا ، حتى لقد كانت مواطن الإسلام كلها
التفسير القرآنى للقرآن — صفحة 660
مساهمون: عبد الكريم الخطيب
ص٦٦٠