تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير القرآنى للقرآن — صفحة 629

مساهمون:

ص٦٢٩
بالرجوع عن الحرب وقد سلمت لهم العير ، فقال : « واللّه لا نرجع حتى نرد بدرا فنقيم ثلاثا ، فننحر الجزر ، ونطعم الطعام ، ونسقى الخمر ، وتعزف علينا القيان ، وتسمع بنا العرب ، فلا يزالون يهابوننا أبدا ! ! » . . ومن بين هذين الرأيين طارت شرارات الشقاق والخصام ، وتناثرت كلمات التلاحي والتنابز ، فتحركت في الصدور عداوات قديمة ، وانبعثت من مرقدها فتن كانت نائمة . . وهكذا دخل القوم المعركة ، وهم على تلك الحال ، من تفرق الكلمة ، وتمزق الوحدة ، في الرأي والمشاعر . . وفي هذا يقول اللّه سبحانه وتعالى محذّرا للمسلمين من أن يكون منهم مثل هذا الموقف ، في لقاء يكون بينهم وبين عدوهم . . يقول اللّه سبحانه :
« وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيارِهِمْ بَطَراً وَرِئاءَ النَّاسِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ »
. فما خرج هؤلاء القوم دفاعا من حق ، أو انتصارا لمبدأ ، وإنما الذي أخرجهم هو البطر ، أي الكبر ، والكفر بنعمة اللّه ، ثم ما يحدّث به الناس عنهم من أنهم أولو قوة وأولو بأس شديد ، حين يرى الناس منهم ما جمعوا من مقاتلين ، وما حملوا من سلاح وعتاد ، ثم ما يقع لهم من هذا التدبير الذي دبروه ، وهو الوقوف في وجه تلك الدعوة التي كانت شجى في حلوقهم ، وقذى في أعينهم ! هذا ما أخرج القوم للقتال ، وهذا ما خرجوا له . . ومن أجل هذا كان الخلاف بينهم ، والتفرق في وحدتهم ، والتمزق في مشاعرهم . . كلّ يأخذ الموقف الذي يشبع غروره وكبره ، ويشهد الناس منه منزلته في قومه ، وكلمته المسموعة في رهطه . . وهذا ما يشير إليه قوله تعالى :
« بَطَراً وَرِئاءَ النَّاسِ »
فهذا هو الشعور الذي غلب على رؤساء القوم وأصحاب الكلمة فيهم . . أما عامتهم
التفسير القرآنى للقرآن — صفحة 629 | عبد الكريم الخطيب