ما قدّم لها . . وهذا هو الذي أمسك بالمجاهدين في سبيل اللّه على حياض الموت ، فكتبوا بدمائهم تلك الوثائق الخالدة على الزمن ، في التضحية والفداء .
هذا عن المجاهد مع خاصة نفسه . .
ولكن المسلم لا يقاتل وحده ، وإنما هو واحد في جماعة المجاهدين الذين يقاتل معهم ، ويستند إليهم ، ويستندون إليه . .
ومن هنا كان من تمام البناء لتلك القوة التي يلقى بها المسلمون عدوّهم أن يكونوا صفّا واحدا ، تمسك به مشاعر واحدة ، فلا يتوزعهم الخلاف ، ولا يمزق وحدة مشاعرهم النزاع ، فذلك أمر إن وقع في جماعة أذهب ريحها ، وحلّ عزيمتها ، وأفسد تدبيرها ، ومكّن للعدو منها ، مهما كانت القوة التي عليها أفرادها ، والبلاء الذي يعطيه كل فرد منها في ميدان المعركة . .
ولهذا جاء قوله تعالى :
« وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلا تَنازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ »
- جاء ليشدّ تلك الجماعة بعضها إلى بعض ، بعد أن شدّ كلّ فرد فيها إلى موطن العزم والصبر ، من نفسه .
ثم إنه لكي يقوم للمسلمين شاهد حسّىّ ، يشهد لهم بمفعول هذه الوصاة الكريمة التي وصاهم اللّه بها ، أفرادا وجماعة - فقد أراهم اللّه ما حلّ بالمشركين من بلاء ، وما أصيبوا به من خذلان ، وأن ذلك كان لما وقع بينهم من تنازع في الرأي واختلاف في الحساب والتقدير . .
وقد صحب المشركين هذا التنازع وذلك الخلاف منذ خرجوا من مكة إلى أن التقوا بالمسلمين في بدر ، فكانوا شيعا وأحزابا ، لكل شيعة رأيها في الموقف ، وتقديرها له ، ولكل حزب حسابه وتقديره . . فكثر فيهم القائلون ، بألّا حاجة لهم في القتال بعد أن سلمت العير ، ومن قائل : لا بد من القتال . . ثأرا لكرامة قريش وهيبتها ، كما يروى عن أبي جهل حين تنادى بعض المشركين