تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير القرآنى للقرآن — صفحة 548

مساهمون:

ص٥٤٨
وليس الإجماع في صميمه إلا ما رضيه أهل الحلّ والعقد من عقلاء الأمة ، وأهل الرأي والنظر فيها ، وذلك فيما جدّ من أمور لم يكن للشريعة رأى فيه . وهذا من الإسلام ، اعتراف بالجماعة الإنسانية ، وبحقّها في المشاركة في وضع دستور حياتها ، الذي رسمت لها الشريعة حدوده . . وفرق كبير بين اعتراف الشريعة الإسلامية بالإجماع ، وبين ما تعترف به الديانات الأخرى من سيادة الرئيس الديني لها وحقه في التشريع . . حيث يقوم الإجماع في الشريعة الإسلامية على الشورى ، التي تعطى كل إنسان حقّه في إبداء رأيه ، وفي قبول ما يقبل ، ورفض ما يرفض ، على حين تقوم سيادة الرئيس الديني على الاستبداد بالرأي وحده ، دون أن يكون لأحد معه حق المراجعة أو المعارضة ! ! وثالثهما : قوله تعالى :
« وَأَعْرِضْ عَنِ الْجاهِلِينَ »
. وهو من تمام هذا الأدب الربّاني ، الذي أدّب اللّه سبحانه به نبيه صلى اللّه عليه وسلم ، وجعله ملاك أمره في سياسة الناس ، وفي وصل المجتمع الإنسانىّ برسالة الإسلام . . فالإعراض عن السفهاء والجاهلين ، تأديب حكيم لهم ، وقطع لحبال الملاحاة واللّجاج معهم ، وفلّ لأسلحتهم التي لا تحسن العمل إلا في ميدان السفاهة والجهل . . إذ أنه ليس أرضى لنفوس السفهاء ، ولا أهنأ لقلوبهم من أن يجدوا من يمدّ لهم في حبال السفاهة والجهل ، حين يلقى سفاهتهم بسفاهة وجهلهم بجهل . . إنها حينئذ فرصتهم التي تظهر فيها ملكاتهم ، وتشحذ بها أسلحتهم ، في هذا الميدان ، الذي يصولون فيه ويجولون . ثم إن في إعراض النبىّ عن السفهاء والجاهلين - فوق أنه حماية له ، وحراسة لمقامه الكريم من أن يصيبه رذاذ من هذا الشر المتطاير - إطلاقا للنبي بكل قوته للعمل في آفاق أكرم وأولى بهذا الخير الذي في يديه ، حيث