تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير القرآنى للقرآن — صفحة 535

مساهمون:

ص٥٣٥
وهذا لا يكون إلا من إنسان قام أمره على الصدق كلّه ، فلا يقول إلا ما يوحى إليه من ربّه ، ولو كان ذلك مما يشقّ عليه ، ويزيد فيما بينه وبين قومه من شقاق . وفي عطف الضر على النفع إشارة إلى أن النبىّ لا يملك لنفسه أي شئ ، ولو كان من السّلبيات . . بمعنى أنه لو صح منه العزم على أن يضرّ نفسه ما استطاع أن يصل إلى شئ من ذلك ، إلا ما شاء اللّه له . . وهذا أبلغ في وصف الإنسان - ولو كان نبيّا - بالعجز ، وقصور يده عن أن يبلغ أي شئ إلا ما قدر اللّه له ، ولو كان ذلك الشيء مما يحسب الإنسان أنه ملك خاص له ، لا ينازعه فيه أحد ، مما لا تنزع إليه النفوس ولا ترغب فيه ، كطلب ما يضرّ من الأمور ، وهو شيء مقدور عليه بأيسر جهد ، بل بلا جهد أصلا . . وحسب من يريد إتلاف نفسه أو إلحاق ضرر بها ألا يتحرك أية حركة ، فيجد الشرّ يهجم عليه من كل جهة ! !
« وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَما مَسَّنِيَ السُّوءُ »
. وهذا مثل واضح ، شاهد لا يدفع ، على أن النبىّ لا يعلم الغيب ، إذ لو كان عنده من علم الغيب شيء لعرف عواقب الأمور قبل أن تجىء ، ولما اتجه إلى أمر تسوء عاقبته ، ولكان كل متجهه دائما إلى ما تحمد عاقبته ، وتعظم ثمرته . فمثلا ، لو كان يعلم النبىّ من أمر الغيب شيئا لما عرض نفسه على ثقيف قبل الهجرة ، ولما تعرض لهذه المواجهة المنكرة التي واجهوه بها ، ولجنّب نفسه هذا الأذى الذي أصابه في جسده وفي مشاعره جميعا ! ولو كان يعلم الغيب لما أذن المنافقين الذين جاءوا إليه بأعذار كاذبة للتخلف عن غزوة تبوك .
« إِنْ أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ »
. . فتلك هي مهمة الرسول ، أن يبلّغ ما أنزل إليه من ربّه ، منذرا ومبشرا .