تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير القرآنى للقرآن — صفحة 77

مساهمون:

ص٧٧
هذا الطلب الغريب ، لا يتوقعون استجابته ، وإنما كان طلبهم له من قبيل الاستطراد للمعجزات الخارقة ، التي كانت تقع تحت حواسّهم ، من إحياء الموتى ، وخلق طير من الطين ، وبعث الحياة فيه ، وإبراء الأكمه والأبرص . . فما ذا لو طلبوا هذا الطلب الغريب ؟ هل يقبله اللّه ؟ وهل يجيبهم إليه ؟ إنهم لا يشكّون في قدرة اللّه ، ولكنهم يشكون في أن يستجاب لهم فيما طلبوا . . ومن هنا أخذ هذا الطلب صورة الاستدعاء بالقدرة والاستطاعة . . لا بالإضافة إلى من طلب إليه ، ولكن بالنسبة لمن طلب له . . كمن يقول لمن هو أعلى منه منزلة : هل تستطيع أن تعطيني هذا الكتاب الذي معك ؟ إنه لا شك مستطيع ، إذ لا شئ يمسكه عن ذلك . . ولكن الأمر متروك لتقديره هو . . وهل يرى هذا الشخص مستحقا لهذه المكرمة أو غير مستحق لها ؟ وليس في قول الحواريين : « هل يستطيع ربّك » إنكار لربوبية اللّه لهم ، ولكنه استصغار لشأنهم ، وإخفاء لذاتهم ، وهم يطلبون هذا الطلب ، الذي لا يصح أن يكون طالبه من اللّه إلا إنسانا له عنده من المنزلة مثل ما لعيسى عليه السلام ، فهو ربّه الذي أفاض عليه هذه المكرمات ، وهو ربّه الذي يطلب منه هذه المكرمة . . ولهذا أضافوا عيسى إلى الربّ ، ولم يضيفوا هم أنفسهم إليه ، استصغارا لمكانهم في هذا المقام . وفي قول عيسى عليه السلام للحواريين :
« اتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ »
تأديب لهم ، ودعوة إلى ما هو أولى بالمؤمنين أن يكونوه مع اللّه ، كما يقول السيد المسيح في بعض تعاليمه : « لا تجرّب الربّ إلهك » . . فذلك هو الكمال كلّه ، والإيمان كلّه . ولكن - كما قلنا - للمؤمنين المقربين إلى اللّه ، المشاهدين لعظمة جلاله ، المحفوفين بخفىّ ألطافه - لهؤلاء المؤمنين أنس بروح اللّه ، وانتشاء بنسائم قربه ،