التفسير : وقع بين المفسرين اختلاف شديد في مائدة بني إسرائيل هذه ، وفي الحواريّين الذين طلبوا هذا الطلب . .
فأنكر بعضهم أن يكون من الحواريين هذا الطلب المتحدّى ، الأمر الذي لا يكون إلا من إنسان لم يؤمن باللّه . . وكيف وهم قد دعاهم اللّه إليه فاستجابوا من غير تردد ، وتبعوا المسيح ، وساروا مسيرته خطوة خطوة ، كأنهم بعض ظلّه على الأرض ؟
وقد كان للمنكرين على الحواريين أن يكون منهم هذا الطلب ، تأويلان لهذا الاعتراض . .
التأويل الأول : أن هؤلاء الحواريين ، لم يكونوا مؤمنين إيمانا صادقا ، وأنهم حين دعوا إلى الإيمان فقالوا
« آمَنَّا وَاشْهَدْ بِأَنَّنا مُسْلِمُونَ »
- لم يكن هذا القول إلا بأفواههم ، ولم تؤمن قلوبهم فلا يستغرب منهم - وهذا إيمانهم - أن يطلبوا هذا الطلب ، الذي لا يكون ممن آمن باللّه إيمانا صادقا ! وهذا التأويل فاسد ، ظاهر الفساد .
فالحواريون مدعوّون من اللّه ، ملهمون إلى الإيمان به . . فكيف يكون إيمانهم على تلك الصفة الهزيلة المنافقة ؟
إن من يدعى من اللّه هذه الدعوة ، ويلهم هذا الإلهام إلى الإيمان به ، لا بدّ أن يكون أشدّ الناس إيمانا ، وأوثقهم يقينا واطمئنانا . وإن غير ذلك هو اتهام للّه ، ولعلمه ، وقدرته . .
ولقد كان الحواريون على إيمان وثيق باللّه ، أقرب إلى إيمان أنبياء اللّه ورسله ، كما يشهد لذلك قول اللّه تعالى فيهم :
« يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا أَنْصارَ اللَّهِ كَما قالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ لِلْحَوارِيِّينَ مَنْ أَنْصارِي إِلَى اللَّهِ قالَ الْحَوارِيُّونَ