تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير القرآنى للقرآن — صفحة 79

مساهمون:

ص٧٩
بحواسّهم ، بعد أن أدركوها بعقولهم . . وهذا ما يبعث في قلوبهم الطمأنينة التي تثبّت الإيمان ، فلا يهتزّ لعارض يعرض له من ريبة أو شك . وثالثا : أن يزداد علمهم بصدق عيسى ، وبصدق هذه الآيات التي تجرى على يديه ، فلا يطوف بأنفسهم منها طائف من الشك والوسوسة ، التي كان يثيرها اليهود حولها . ورابعا : أن تكون هذه المائدة المنزلة من السماء شهادة بين أيديهم في دعوتهم الناس إلى الإيمان . . إذ كانوا ممن طعموا منها ، ومثل هذا الطعام السماوي لا بدّ أن يترك آثارا فيمن طعم منه . . وربما كانت آثاره مادية ومعنوية معا ، يراها الناس ظاهرة عليهم ، فيكون منها شهادة للحواريين ، أنهم ممن لبسوا تلك النعمة الإلهية ، وفي هذا ما يجعل القلوب مطمئنة إليهم ، وإلى ما يدعون إليه . وأمر آخر من تلك المائدة ، أثار اختلافا بين المفسّرين ، حتى لقد رأى بعضهم أن المائدة لم تنزل ، وأن الحواريين حين سمعوا قول اللّه تعالى :
« إِنِّي مُنَزِّلُها عَلَيْكُمْ ، فَمَنْ يَكْفُرْ بَعْدُ مِنْكُمْ فَإِنِّي أُعَذِّبُهُ عَذاباً لا أُعَذِّبُهُ أَحَداً مِنَ الْعالَمِينَ »
قالوا : لا حاجة لنا . . فلم تنزل عليهم ! ! وهذا قول مردود ، ورأى فاسد . . وذلك : أولا : أن عيسى عليه السلام ، دعا ربّه ، وضرع إليه ، أن ينزّل هذه المائدة ، كما طلبها الحواريون ولم يكتف بهذا ، بل لقد جعل لطلبها أسبابا ومبررات من عنده ، حتى لكأن هذا الطلب كان منه ابتداء ، لما حمّل هذا الطلب من ثمرات طيبة تجىء معه ، كما يقول اللّه سبحانه وتعالى على لسانه :
« قالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ اللَّهُمَّ رَبَّنا أَنْزِلْ عَلَيْنا مائِدَةً مِنَ السَّماءِ تَكُونُ لَنا عِيداً لِأَوَّلِنا وَآخِرِنا وَآيَةً مِنْكَ وَارْزُقْنا وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ »
التفسير القرآنى للقرآن — صفحة 79 | عبد الكريم الخطيب