وأما قوله تعالى :
« ما مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِما خَلَقْتُ بِيَدَيَّ »
فهو مطالبة لإبليس ببيان المانع الذي منعه ، إن كان هناك مانع . . فلما لم يجد المانع طولب بأن يبيّن الدافع الذي تولّد في نفسه وحمله على ألا يسجد . . ثم لما اضطرب وتلجلج في الكشف عن هذا الذي ضلّ عنه وهو يحاول الإمساك به ، قيل له : ما لك - إذن - ألّا تكون مع الساجدين ؟ .
وهكذا يؤخذ بمخانقه ، ويسقط في يده ، فينهار ويهوى ، ثم يتخبط في هذا الهذيان المحموم ، وقد عرف ألا نجاة له ، وأنه من الهالكين . . ! قوله تعالى :
« قالَ فَاهْبِطْ مِنْها فَما يَكُونُ لَكَ أَنْ تَتَكَبَّرَ فِيها فَاخْرُجْ إِنَّكَ مِنَ الصَّاغِرِينَ »
.
الضمير في منها يعود إلى المنزلة التي كان فيها إبليس قبل هذه المعصية ، وكذلك الضمير في قوله تعالى :
« فِيها »
. . والهبوط هنا هبوط معنوي . .
والمعنى : اخرج أيها الشيطان المريد من هذه النعمة التي خولتك إياها ، ورفعت بها منزلتك حتى اتخذت منها حجة على هذا العصيان الوقاح لأمرى ، فتأبى أن تسجد لمن دعوتك إلى السجود له . . فما يكون لك أن تتكبر في هذه النعمة ، وتختال بها . . وها أنت ذا قد أصبحت من الصاغرين ، قد نزع عنك ما كنت تدّعيه لنفسك من منزلة تعاليت بها على هذا المخلوق الآدمي ، الذي خلق من طين . . ! وهكذا كل من ألبسه اللّه نعمة من نعمه فلم يرعها ، ولم يؤدّ حق شكرها للّه ، من الطاعة والولاء - إنها تنزع منه ، ويلبس بدلها ثوب النقمة والبلاء . .