أجّله اللّه ، وهو عمرهم المقدور لهم في الحياة . .
وفي مبادرة المشركين بالجواب دلالة على أنهم هم المتهمون أصلا ، وأنهم هم الذين استجابوا لدعوة الجنّ لهم ، وأنهم لو أبوا عليهم ذلك ولم ينقادوا لما دعوهم إليه ، لما كانوا في هذا الموقف . . فزمام الأمر هو في يد النّاس ، وما الجنّ أو غيرهم من المغريات إلا داع يدعوهم إليه ، فمن أجاب فعليه وزر عمله . . كالخمر مثلا ، فإنها في مواطنها التي تباع فيها أو تشرب ، هي في ذاتها داع تدعو الناس إليها ، وتغريهم بها ، وللناس وحدهم أن يستجيبوا أو يمتنعوا . .
وليست الخمر موضع مؤاخذة أو لوم . . كذلك دعاة السوء من الإنس والجنّ . . لا يحملون شيئا من إثم من دعوه فاستجاب لهم ، وإن كان عليهم إثم هذه الدعوة المنكرة التي دعوا بها . .
وهذا ما يشير إليه قوله تعالى :
« وَقالَ الشَّيْطانُ لَمَّا قُضِيَ الْأَمْرُ إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدْتُكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَما كانَ لِي عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطانٍ إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ »
. ( 22 : إبراهيم ) وقوله تعالى :
« قالَ النَّارُ مَثْواكُمْ خالِدِينَ فِيها إِلَّا ما شاءَ اللَّهُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ »
هو الحكم الذي يلقّاه المشركون بعد اعتذارهم بما اعتذروا به . .
« النَّارُ مَثْواكُمْ »
أي داركم ومقرّكم
« خالِدِينَ فِيها إِلَّا ما شاءَ اللَّهُ »
أي أن هذا الخلود في النار مرهون بمشيئة اللّه ، إن شاء جعلها دار خلد لكم ، وإن شاء جعلها عذابا موقوتا . . وذلك إلى اللّه وحده ، لا يملك معه أحد شيئا في مصيركم الذي أنتم صائرون إليه .
« إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ »
يقوم أمره كلّه على الحكمة والعلم . . الحكمة