تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير القرآنى للقرآن — صفحة 258

مساهمون:

ص٢٥٨
بعضا ، ويسبّ بعضهم بعضا . . وهنا يجدها المشركون فرصة للتعدّى على اللّه ، والتطاول على ذاته الكريمة ، وكان ذلك أشدّ ما يصيبون به المسلمين في مشاعرهم ، لما للّه سبحانه وتعالى في أنفسهم من تعظيم وتوقير ، ولما يعلمه المشركون من تعلّق المسلمين باللّه ، وحبّهم له ، ورعايتهم لأوامره ونواهيه . . وليس كذلك شأن المشركين مع آلهتهم التي لا ينظرون إليها تلك النظرة الخاشعة ، التي ينظر بها المسلمون إلى اللّه ، ولا يرون في آلهتهم ما يرى المسلمون في اللّه ، من قدسية ، وعظمة ، وجلال . وقد تنبّه العقلاء إلى مثل هذه الحال ، فبعدوا بأنفسهم عن تلك المواطن التي يقفون فيها مع السفهاء موقف الخصومة والتلاحي ، لأن السفيه الساقط المروءة ، يجد في التطاول على أهل الحكمة وأصحاب الشأن في الناس فرصته ، في الاستعلاء بنفسه ، حين يكون هو ومن فوقه في منزلة سواء . . وفي هذا يقول الشاعر :
بلاء ليس يعد له بلاء * عداوة غير ذي حسب ودين
يبيعك منه عرضا لم يصنه * ليرتع منك في عرض مصون
فإذا سبّ المشركون اللّه في مجلس من مجالسهم مع المسلمين ، شعروا أنهم أصابوا من المسلمين مقتلا ، وإذا سبّ المسلمون آلهتهم لم يكن في ذلك ما يزعجهم أو يقلقهم ، وإن يكن شئ من ذلك فهو شئ قليل لا يكاد يحسّ له أثر ! شأن الخسيس يتطاول على الكريم ، فإذا ناله الكريم بأذى لم يتأثر له .
« وَلا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْواً بِغَيْرِ عِلْمٍ »
والعدو : العدوان والبغي . في حمق وسفاهة وطيش . أي ولا تتعرضوا للآلهة الذين يدعوهم المشركون من دون اللّه ، فيسبّوا اللّه عدوا ، أي أنهم يسرعون إلى سبّ اللّه ، ويجدونها فرصة لهم لينالوا منكم بالتعرض بالسبّ لأقدس المقدسات ، وأكرم الحرمات عندكم . .
التفسير القرآنى للقرآن — صفحة 258 | عبد الكريم الخطيب