تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير القرآنى للقرآن — صفحة 210

مساهمون:

ص٢١٠
مثل هذا الخوض في آيات اللّه من المشركين . . فإذا كان منهم بعد هذا مجلس يجرى فيه حديث جدّ ، ووقار ، والتزام عقل ومنطق ، فلا بأس على النبىّ من أن يعود إلى الجلوس معهم ، وهذا ما يشير إليه قوله تعالى :
« حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ »
أي في حديث غير حديث الدّين الذي يدعون إليه ، أو الدّين الذي هم فيه . . فإذا خاضوا في أمور غير أمور الدّين ، مما يتصل بحياتهم الخاصة ، من تجارة ، وحرب ، وسلم ، وغير ذلك ، فإن الخوض هنا لا يمسّ الدّين ، ولا يجرح مشاعر النبىّ . . وإنه لا بأس على النبي من الجلوس معهم . وقوله تعالى :
« وَإِمَّا يُنْسِيَنَّكَ الشَّيْطانُ فَلا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ »
هو تنبيه للنبىّ ، وتحذير له من تلك المجالس ، التي تدور فيها أحاديث المشركين ، هازئة عابثة بالدين ، وأنه إذا كان النبىّ في مجلس مع هؤلاء المشركين ، ثم جرى الحديث بينهم في هذا الاتجاه ، ثم كان من النبىّ أناة واستماع ، طلبا لكلمة حق تجرى على لسان أحدهم ، أو التماسا لمدخل يدخل به إلى الحديث معهم فيما هو حق وخير ، فإن هذا الموقف من النبىّ هو مما يدخل في أمر الحظر الذي جاء في قوله تعالى
« وَإِذا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آياتِنا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ »
وأن هذا أيضا مما يغفره اللّه للنبي ، ويتجاوز له عنه ، إذ كان ذلك عن سهو ونسيان ، لما وقع في نفسه من رجاء في هداية القوم . . ولكن إذا ذكر النبىّ في تلك الحال ما أمره اللّه به من الإعراض عنهم ، فليعرض عنهم في الحال ، وليأخذ نفسه من بينهم بلا مهل ، حتى لكأنه وقع تحت خطر يتهدّده ، ويطلب النجاة منه . . وفي هذا إشعار للنبىّ بأن مجالسة القوم - وهم في تلك الحال - شر مستطير ، يجب أن يكون على ذكر منه دائما ، وعلى حذر منه أبدا . . وفي قوله تعالى :
« وَإِمَّا يُنْسِيَنَّكَ الشَّيْطانُ »
إلفات قوىّ للنبىّ ، لحراسة نفسه من هذا الخطر ، وتحريض شديد له على أن يكون على حذر دائما من
التفسير القرآنى للقرآن — صفحة 210 | عبد الكريم الخطيب