تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير القرآنى للقرآن — صفحة 212

مساهمون:

ص٢١٢
هو أن يعزلوا أنفسهم عن تلك المآثم ، وأن يتقوا الخطر الذي قد يصيبهم من مداناتها . . وهذا الأمر المتوجّه به إلى النبىّ ، هو أمر عام ، متوجّه به إلى كلّ مؤمن ، وأنه إذا كان النبىّ - وهو من هو في وثاقه إيمانه ، وقوة يقينه ، وعصمة ربّه له - مدعوا إلى تجنب هذه المجالس الآثمة ، خوفا عليه في نفسه ودينه ، فإن غيره من المؤمنين أولى بمحاذرة هذه المجالس ، واجتنابها . . وقوله تعالى :
« وَذَرِ الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَعِباً وَلَهْواً وَغَرَّتْهُمُ الْحَياةُ الدُّنْيا »
هو توكيد لهذا الأمر الذي أمر به النبيّ ، من اجتناب المشركين ، وقطع كل ما في نفسه من أمل أو طمع في هدايتهم ، بهذه اللقاءات التي يحرص على لقائهم فيها . . فإنهم ليسوا من أهل الدين ، ولا يرجى أن يكون لهم دين ، لأن دينهم الذي يملك عليهم نفوسهم ، هو اللعب واللهو ، والعكوف على هذه الحياة الدنيا ، التي أعطوها كل وجودهم ، بحيث لا تتسع نفوسهم لشئ آخر غير هذه الدنيا ، وما فيها من لهو ولعب ! وليس معنى هذا أن يطوى النبىّ كتاب دعوته ، وأن يعتزل الناس والحياة ، إنما المطلوب منه هو أن يذكّر بدعوته ، وأن يبشر وينذر ، وأن يسمع النّاس جميعا كلمات ربّه . . « وذكر به » أي بالقرآن الذي معك ، مجرّد تذكير ، وليس للنبىّ أن يحمل الناس حملا عليه ، وأن يقطع أنفاسه بالجري وراء من لا يستمع إليه ، ولا يستجيب له . . وقوله تعالى :
« وَذَكِّرْ بِهِ أَنْ تُبْسَلَ نَفْسٌ بِما كَسَبَتْ لَيْسَ لَها مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيٌّ وَلا شَفِيعٌ وَإِنْ تَعْدِلْ كُلَّ عَدْلٍ لا يُؤْخَذْ مِنْها »
أي أن دعوة النبىّ هي البلاغ ، والتذكير بيوم الحساب ، والتخويف من هذا الموقف الذي تبسل فيه كل نفس بما كسبت ، أي تعزل وتفرد ، ليس معها إلا ما كسبت من خير
التفسير القرآنى للقرآن — صفحة 212 | عبد الكريم الخطيب