تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير القرآنى للقرآن — صفحة 160

مساهمون:

ص١٦٠
كإنسان ، ويأخذون شهادته على كل ما يقول فيما هو من شؤون دنياهم . . فإذا جاءهم بآيات ناطقة من عند اللّه ، وقال لهم إنها كلام اللّه ، وأنه رسول اللّه بها إليهم ، أنكروا عليه هذا القول بنسبتها إلى اللّه ، وقالوا : إنها سحر ساحر ، وتلقيات ممسوس ! ولو عقلوا لما وجدوا لهذا القول مستندا من عقل أو منطق . . إذ كيف لا يتّهم إنسان بالكذب في حال ، ثم يتهم به في حال أخرى ؟ إن الإنسان وحدة متكاملة ، في خلقه ، فإمّا أن يكون صادقا لا يكذب ، وإما أن يكون ممن لا يتحرّى الصدق في كلّ قول . . وقد عرفوا « محمدا » أنه صادق على وجه واحد ، مدة حياته معهم ، من مولده إلى مبعثه . . لم تجرب عليه كذبة قط . . فكيف يكذب بعد الأربعين ؟ وكيف يكذب أشنع الكذب ، وأفحشه ، بتلك الدعوى التي يدعيها على اللّه ربّ العالمين ؟ ذلك محال ، بل وأكثر من محال ، لأن شواهد الصّدق ودلائله ناطقة في كلام اللّه ، مستغنية عن صدق من يجئ إلى الناس بها ويعرضهم عليها . . فكيف إذا كان من يجيئهم بها ويعرضها عليهم ، غير متّهم بكذب ، أو مجرب عليه شهادة زور عندهم ؟ قوله تعالى :
« وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ فَصَبَرُوا عَلى ما كُذِّبُوا وَأُوذُوا حَتَّى أَتاهُمْ نَصْرُنا »
( 34 : الأنعام ) هو عزاء بعد عزاء للنبىّ الكريم ، ورحمات من ربّ رحيم تتنزّل عليه ، وهو في مواجهة هذا العناد والعنت الذي يلقاه من قومه . . وفي هذا العزاء يرى النبي - صلوات اللّه وسلامه عليه - مشاهد كثيرة لهذا المشهد الذي يعيش فيه . . فهناك رسل كثيرون من رسل اللّه قد كذّبوا من أقوامهم ، وأوذوا في أنفسهم من سفهاء قومهم ، ولكنهم اعتصموا بالصبر ، واحتملوا الأذى في سبيل الرسالة الكريمة التي شرّفهم اللّه بها . . فهذا نوح عليه السلام - يلقاه قومه بالنكير والاستهزاء ، ويلاحقونه بالأذى والضرّ - وفي هذا يقول اللّه على لسانه :
« أَمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ قُلْ