وهكذا هي الدنيا ، لعب ولهو ، إذا وقف الإنسان نفسه عليها ، وحبس وجوده على مظاهرها ، دون أن يلتفت إلى ما بعدها ، من لقاء اللّه ، وموقف الحساب بين يديه . . ولكنه إن التفت إلى الآخرة التي وراء هذه الحياة الدنيا ، لم تكن هذه الحياة الدنيا لعبا ولهوا ، وإنما تكون حياة جادّة عاملة ، تجمع الدنيا والآخرة معا ، وبهذا تتفتح أمام الإنسان آفاق فسيحة للعمل الطيب المثمر ، الذي إن فاته حظّه منه في الدنيا ، فلن يفوته ثوابه العظيم منه في الآخرة . . ومن هنا كانت حياة المؤمنين باللّه واليوم الآخر ، حياة عامرة بالعمل والكفاح والجهاد . .
إذ كان على المؤمن أن يملأ بوجوده وكفاحه دنياه وآخرته جميعا . . أما الذين لا يؤمنون باللّه ولا باليوم الآخر ، فإن حياتهم فراغ في فراغ ، يدورون فيه حول أنفسهم ، كما يدور الأطفال في لهوهم ولعبهم .
قوله تعالى :
« وَلَلدَّارُ الْآخِرَةُ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ »
إذ عملوا لها ، وآثروها على الدنيا ، وقدّموا ما يبقى على ما يفنى ، فكانت عاقبتهم السلامة والعافية ، والخلود في جنّات النعيم . .
وفي قوله تعالى :
« أَ فَلا تَعْقِلُونَ »
إثارة لذوي العقول أن ينظروا لأنفسهم ، وأن يزنوا أمرهم مع الدنيا على ميزان سليم . . فإنهم لو فعلوا لعرفوا أن الدار الآخرة خير وأبقى !
الآيات : ( 33 - 34 ) [ سورة الأنعام ( 6 ) : الآيات 33 إلى 34 ]
قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ فَإِنَّهُمْ لا يُكَذِّبُونَكَ وَلكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآياتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ ( 33 ) وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ فَصَبَرُوا عَلى ما كُذِّبُوا وَأُوذُوا حَتَّى أَتاهُمْ نَصْرُنا وَلا مُبَدِّلَ لِكَلِماتِ اللَّهِ وَلَقَدْ جاءَكَ مِنْ نَبَإِ الْمُرْسَلِينَ ( 34 )