تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير القرآنى للقرآن — صفحة 1148

مساهمون:

ص١١٤٨
مِنْ بَعْدِ ذلِكَ فَلَوْ لا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَكُنْتُمْ مِنَ الْخاسِرِينَ * وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنْكُمْ فِي السَّبْتِ فَقُلْنا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خاسِئِينَ »
( 64 - 65 : البقرة ) . لقد نقض بنو إسرائيل ميثاقهم مع اللّه ، الذي أخذه عليهم وهم على بساط هذه النعم الغامرة ، فكفروا وعبدوا العجل ، فعفا اللّه عنهم ، وأرسل إليهم رسله ، يجمعونهم من أشتات الطرق التي شردوا فيها . . فما تبدلت حالهم ، ولا تغير ما بنفوسهم ، فمكروا يرسل اللّه ، وأخذوهم بالعنت والعذاب . . كلما جاءهم رسول بما لا تهوى أنفسهم كفروا به ، وبسطوا فيه ألسنتهم بقالة السوء ومدوا إليه أيديهم بالأذى . . فريقا كذبوا وفريقا يقتلون . وقوله تعالى :
« وَحَسِبُوا أَلَّا تَكُونَ فِتْنَةٌ »
إشارة إلى أنهم - وقد رأوا نعم اللّه تتظاهر عليهم - أنهم بمأمن من الفتن ، وأن لهم أن يفعلوا ما تشتهى أنفسهم ، وترتضى أهواؤهم ، ولم يعلموا أن هذه النعم هي ابتلاء من اللّه لهم ، وأنها ستكون نقمة عليهم إن لم يشكروا اللّه ويحمدوا له ، شأن من يتلقى نعم اللّه من عباده المتقين ، كما فعل سليمان مثلا ، والذي يقول اللّه سبحانه على لسانه :
« فَلَمَّا رَآهُ مُسْتَقِرًّا عِنْدَهُ قالَ هذا مِنْ فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي - أَ أَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ »
( 40 : النمل ) . ولكنهم عموا وصموا عن نعم اللّه ، فجعلوها أسلحة يحاربون اللّه ورسله بها ، ويسعون في الأرض فسادا . . ومع هذا فقد تاب اللّه عليهم ، وبسط لهم يد المغفرة ، فلم يزدهم ذلك إلا ضلالا وكفرا ثم عموا وصموا كثير « منهم » أي أن كثرتهم الغالبة لم ترجع إلى اللّه ، بل ظلت شاردة في طرق الضلالة والغواية ، وقليل منهم هم الذين كانت لهم من إلى رجعة . . وهذه القلة منهم هم شهود عليهم بالضلال والعصيان . .
التفسير القرآنى للقرآن — صفحة 1148 | عبد الكريم الخطيب