تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير القرآنى للقرآن — صفحة 1071

مساهمون:

ص١٠٧١
بدخول القوم هذه الأرض المقدسة لو أنهم جرءوا واتجهوا إلى العدو ودخلوا عليه الباب . . وهذا الوعد لا يكون إلا عن علم سماوي . . الأمر الذي لم يكن لأحد من القوم أن يقول به ، غير موسى وهارون ، اللذين هما على صلة بالوحي الإلهى . هذا ، وقد انتهى الأمر بين موسى وتلك الجماعة الشاردة ، إلى اليأس ، فكان أن اعتذر موسى إلى ربه بقوله :
« رَبِّ إِنِّي لا أَمْلِكُ إِلَّا نَفْسِي وَأَخِي فَافْرُقْ
( أي احكم )
بَيْنَنا وَبَيْنَ الْقَوْمِ الْفاسِقِينَ »
أي الذين فسقوا وخرجوا عن طاعة اللّه ، وامتثال أمره إليهم . . وقد قبل اللّه من موسى ما اعتذر به إليه ، واستجاب له ما دعاه به ، فحكم بينه وبين هؤلاء القوم الفاسقين . . فكان هذا حكم اللّه فيهم :
« فَإِنَّها مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ فِي الْأَرْضِ فَلا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْفاسِقِينَ »
. . إذ ضرب عليهم التيه والضلال في الصحراء أربعين سنة ، يضطربون في هذا القبر المطبق عليهم ، لا يعرفون لهم وجها للخلاص منه . ولعل الحكمة في توقيت التّيه بأربعين سنة ، هي أن يموت أبناء هذا الجيل الذي كان منه هذا العناد والضلال ، فلا يرى أحد منهم الأرض المقدسة ، ومن رآها منهم ممن امتد عمره ، فإنه يراها في شيخوخة واهية ، فلا ينتفع بخيراتها ، ولا ينشئ له حياة فيها . . إن هؤلاء الشيوخ الذين يدخلون الأرض المقدسة بعد هذا التيه هم أشبه بالأطفال وبمن لم يبلغوا الحلم من أبنائهم الذين شهدوا موقف آبائهم من موسى ودعوته إليهم . . وهكذا يستدير الزمن بهذه الجماعة بعد تلك السنين الأربعين ، فإذا أطفالها رجال ، وإذا رجالها أطفال . . . !
التفسير القرآنى للقرآن — صفحة 1071 | عبد الكريم الخطيب