تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير القرآنى للقرآن — صفحة 1068

مساهمون:

ص١٠٦٨
لم يدعهم إلّا إلى ما فيه خير عاجل لهم ، وهو أن يخرجوا من الصحراء ، وأن ينتقلوا من حياة الرعي والخيام ، إلى حياة المدينة ، والاستقرار ! ثم هو - عليه السلام - لم يدعهم إلا إلى أرض مقدسة ، تحفّها رحمات اللّه ، وتبارك أرضها . . ثم هو - عليه السلام - لم يدعهم إلا ليمدّوا أيديهم إلى ما وعدهم اللّه به ، وكتبه لهم . . إنها ثمرة طيبة دانية القطوف ، لا يحتاج من يريد أن يطعم منها إلى أكثر من أن يمدّ يده إليها ! ومع هذا فقد أبى القوم أن يتقبلوا دعوة موسى ، وأن يصدّقوا وعد اللّه لهم ، بل غلب عليهم سوء طبعهم ، فخيّل إليهم أن في الأمر شيئا ، وأن وراء هذه الدعوة ما وراءها ! وموسى عليه السلام ، خبير بالقوم ، عليم بما ينطوى عليه كيانهم من خبث وفساد . . ولهذا لم يرسل الدعوة إليهم بدخول الأرض المقدسة مطلقة ، بل أتبعها بهذا التحذير الذي كان لا بد منه في مواجهة قوم كهؤلاء القوم . .
« وَلا تَرْتَدُّوا عَلى أَدْبارِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خاسِرِينَ »
إذ لا ينتظر من هذه الجماعة إلا أن تصطدم مع هذه الدعوة ، كما تصطدم الكرة بجدار فترتدّ إلى وراء ! وفي التعبير بارتداد القوم على أدبارهم ، إشارة إلى أنهم إنما يرتدون إلى الوراء وعيونهم معلقة بالمتجه الذي تتجه إليه الدعوة ، وكأن هذا المتجه حيوان مفترس يتحفز للوثوب عليهم . . فهم يسيرون إلى الوراء ، على أقفيتهم ، وأبصارهم شاخصة إلى هذا الأمر المخيف الذي دعاهم إليه ! فهم - والحال كذلك - بين خطر يقع عليهم من تصوراتهم لهذا الأمر الذي يدعون إليه ، وخطر يترصدهم ، وهم يتدافعون إلى الوراء نحو مجهول لا يرون لهم منه مهربا . .