المسيح قد رفع إلى السماء ؟ فمن يشهد لهم بهذا ؟ ومن يقبل هذا القول منهم ، ويصدّقه ؟
لقد أنكر اليهود على المسيح أنه المسيح ، وأنكروا عليه أنه رسول من عند اللّه . . وها هم أولاء يتوعدونه ويعدّون العدة للإيقاع به ، والقضاء عليه ، ثم ها هو ذا يختفى من الميدان . . أفيقبل بعد هذا من أحد أن يقول إن المسيح قد رفع إلى السماء ؟ إن هذا القول لأشد نكرا عند اليهود من كل ما تحدّث به المسيح إليهم ، وكان داعية لثورتهم عليه ، وتربّصهم به ؟
لا بدّ إذن أن يظل المسيح قائما في الميدان ! وأين المسيح ؟ بل أين من يأخذ مكان المسيح ؟
تلك هي المشكلة ! ولا سبيل إلى حلّ هذه المشكلة إلا إذا تخففنا كثيرا من منطق العقل - خاصة وأن القضية كلها خارجة عن سلطان العقل - وإلا إذا سمحنا للخيال القصصى والأسطورى أن يقوم بدوره هنا لحلّ هذه المشكلة ! عندئذ يتغير وجه الصورة التي تمثلت لنا في حادثة الصلب ، كما ترويها الأناجيل ، فنرى مثلا يهوذا الأسخريوطي ، وهو أحد الحواريّين الاثني عشر الذين اختارهم المسيح وربّاهم على يديه - نراه وقد اتّجه إلى اليهود الذين كانوا يتربصون بالمسيح ، فيدخل عليهم الهيكل ويهتف بهم أن الفرصة قد سنحت لهم ليأخذوا المسيح ويفعلوا به ما يشاءون . وكان ذلك على علم من أصحابه الذين بعثوا به ، ليتمّ ما دبروه . وكان تدبير التلاميذ قد سبق هذا العمل ، فتخيّروا واحدا من أتباع المسيح فيه بعض مشابه منه ، ليكون هو البديل عن المسيح ، ويتقبل المصير الذي كان اليهود مزمعين أن يصيروا بالمسيح إليه !
التفسير القرآنى للقرآن — صفحة 993
مساهمون: عبد الكريم الخطيب
ص٩٩٣