المسيحية نحو ستة قرون ، وكان هذا الزمن الممتد كافيا لأن يفسح للدعوة مجال الحركة في الحياة ، وأن يبلغ بها أقصى ما تبلغه في عقول الناس وقلوبهم ، من أولياء الدعوة وأعدائها على السواء . . إذ استنفد أعداؤها كل ما لديهم من مقولات يقولونها في المسيح ودعوته . . كما استنفد أولياؤها كل ما عندهم من مقولات في تصويرها ، وتقرير حقائقها والاحتجاج لها . .
ومن هذا الشدّ والجذب ، والهجوم والدفاع ، تشكّلت للمسيح « قضية » من أشد ما عرف الناس من القضايا غموضا وتعقيدا . . والمسيح هو « القضية » التي تنوشها رميات المتنازعين فيه والمختلفين عليه . . من أعدائه وأوليائه جميعا ! وهنا تبرز الحكمة في الحاجة إلى محام ، أو مستشار للدفاع ، ليقول في هذه القضية لا شيئا من عند نفسه ، بل بما يكون قد سمع ، ويخبر به ! وليس ثمة شك في أن هذا المحامي أو مستشار الدفاع أو المعزّى هو « محمد » عليه الصلاة والسلام .
فهو كما تنطق كلمات السيد المسيح :
أولا : هو المحامي الذي كان له دور معروف في قضية المسيح وكان بمشهد وبمسمع من الناس جميعا .
وثانيا : هو الذي دافع في هذه القضية دفاعه المعروف عن شخص المسيح وعن أمه ، وكان دفاعه هذا تمجيدا وعزاء لهما مما أصابهما من رميات وطعنات .
وثالثا : لم يقل هذا المحامي كلمة من عند نفسه ، بل كل ما قاله هو مما تلقاه وحيا من ربه ، « لأنه لا يتكلم من نفسه ، بل كل ما يسمع يتكلّم به » .
ورابعا : أن هذا الذي سمعه وحيا من ربه لم يحتفظ به لنفسه ، بل أخبر به وبلغه للناس كما أمره ربه :
« يا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ