تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير القرآنى للقرآن — صفحة 980

مساهمون:

ص٩٨٠
كان اليهود يحلمون بالخلاص من هذه الفواجع والمآسي التي كانوا يتقلّبون على جمرها ، بين الأسر والتشريد . . ولقد كانت الضربات القاسية المدمرة تنزل بهم متلاحقة متعاقبة كما يتعاقب الليل والنهار . . فما يكادون يخلصون من محنة ، حتى تستقبلهم أكثر من محنة - ولهذا استبدّ بهم اليأس واستولى عليهم الجزع من توقعات الفواجع المباغتة وطلوع النوازل المهلكة . . فلم يكن لهم - والأمر كذلك - من أمل في الخلاص ، إلا أن تتعلق آمالهم وأحلامهم بربّ الجنود « يهوه » . وقد امتلأت أسفار التوراة بالرّؤى والأحلام والتنبؤات التي تلقى إليهم من عالم الأوهام بحبال النجاة ، فيمدّون أيديهم إليها ، وهم يضطربون في هذا البحر اللجىّ المتلاطم الأمواج ، فلا يجدون إلا سرابا ، لا تمسك أيديهم بشيء منه . وكانوا كلما تطاول بهم الزمن - وهم فيما هم فيه من بلاء وهوان - أفسحت لهم الأسفار في الآمال ، ووسعت لهم في آفاق المستقبل المشرق المسعد فأرتهم الخلاص القريب ، وأطلّت عليهم بوجه المخلّص مقبلا بين عشية وضحاها ! . ولهذا باتوا يحلمون أحلاما ملحّة بأن عهد الشر هذا الذي خيّم على ربوعهم قد آن له أن يزول ، وأن عهدا جديدا سيشرق عليهم بصبحه ، وبهذا يقضى على عهد الشر والألم ، إما يتدخل اللّه نفسه ، وإما بإرسال ابنه أو ممثله المسيح إلى الأرض . . أو لم ينبئ به أشعيا قبل ذلك العهد - أي عهد المسيح عيسى - بمائة عام ، إذ يقول : « لأنه يولد لنا ولد ونعطى ابنا وتكون الرئاسة على كتفه ويدعى اسمه عجيبا مشيرا إلها قديرا ، أبا أبديا ، رئيس السلام ؟ » ( التوراة : سفر أشعياء ) وكان كثير من اليهود يتفقون مع « أشعياء » فيما وصف به المسيح من أنه ملك دنيوي يولد من بيت داود الملكي ، ومنهم من يسمونه باسم « ابن الإنسان » كأخنوخ ودانيال ويصورونه بأنه سينزل من السماء ! .