فلما التقى اليهود بالنبي في المدينة ، وواجهوه بكفرهم وعنادهم ، أعادوا هذا السؤال الذي كانوا قد صاغوه من قبل لمشركي مكة . .
وفي قوله تعالى :
« فَقَدْ سَأَلُوا مُوسى أَكْبَرَ مِنْ ذلِكَ فَقالُوا أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً »
هو ردّ مفحم على هؤلاء الكافرين المعاندين . . إنهم لم يسألوا ليعلموا ، أو يؤمنوا ، ولكن ليشتفوا من داء اللّجاج المتمكن فيهم . . ولو أنهم كانوا يؤمنون بآيات اللّه ، لآمنوا بما بين أيديهم من آيات مادية محسوسة ، تجبه كل معاند ، وتخزى كل متحد . . ولكنهم لا يريدون إلا اللجاج والعناد ، والتطاول والسّفه . .
فلقد سألوا موسى أكبر من هذا السؤال ، وأبعدوا في الوقاحة والتحدي ، فقالوا أرنا اللّه جهرة ! ! وقد عاقبهم اللّه سبحانه على هذا العناد الفاجر . . فتجلّى لهم في جلال جبروته ونقمته . . فأخذتهم الصاعقة بظلمهم . . ولكن لم تكن هذه الضربة القاصمة لتمسك بهم على طريق الاستقامة والهدى ، بل لجّوا في غيّهم وضلالهم ، وعادوا سيرتهم الأولى في الكفر والعناد . . فاتخذوا العجل إلها لهم يعبدونه من دون اللّه ، ولم تنفعهم الآيات المشرقة التي جاءهم بها موسى ، من ربّه . . إذ نجاهم من آل فرعون ، وفرق بهم البحر ، وأنزل عليهم المنّ والسلوى ، وفجّر لهم من الصخر عيونا ، حيث لا ماء ولا زرع ، فشربوا ، وزرعوا . . ولكنها القلوب القاسية ، والنفوس المريضة ، والطباع النكدة ، لا تقبل على خير ولا تحتفظ بخير . . واللّه سبحانه وتعالى ويقول :
« وَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَباتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَالَّذِي خَبُثَ لا يَخْرُجُ إِلَّا نَكِداً »
( 58 : الأعراف ) .
وفي توجيه الخطاب إلى جماعة اليهود عامة ، سواء منهم من سألوا موسى أن يريهم اللّه جهرة ، ومن لم يسألوه ، ومن عبد العجل منهم ومن لم يعبده - في هذا