تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير القرآنى للقرآن — صفحة 838

مساهمون:

ص٨٣٨
التفسير : قبل أن يكتب اللّه القتال على المؤمنين - جهادا في سبيل اللّه ، وحماية لدعوة الحق التي في أيديهم - كانت تكاليف الإسلام محدودة ، ليس فيها ما يشق على النفس ، إذ لم تكن دعوة اللّه لهم تتجاوز اجتناب المحرمات وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة ، كما يقول تعالى :
« كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكاةَ »
. . وإنه حين كتب اللّه القتال على المؤمنين ، استقبله المؤمنون الذين صدق إيمانهم بصدور منشرحة ، ونفوس راضية ، وعدّوا ذلك نعمة من نعم اللّه بهم ، وفضلا من أفضاله عليهم ، إذ أتاح لهم فرصة مسعدة للعمل على مرضاته ، والفوز بمنزلة المجاهدين ، والشهداء عنده . . أما الذين في قلوبهم ضعف أو مرض . . فقد فزعوا لهذا الأمر ، وطلع عليهم من جهته شبح الموت يمدّ يديه الرهيبتين لانتزاع أرواحهم ! إن حرصهم على الحياة ، وحبّهم للدنيا ، قد مثّل لهم الموت شيئا مهولا فظيعا ، لأنه يقطعهم عن الحياة التي تعلّقوا بها ، وسكروا من خمرها . . ورأوا فيما فرض اللّه عليهم من قتال أمرا لا يطاق ، فقالوا - وكأنهم ينكرون على اللّه أن يكلفهم ما كلفهم به - :
« رَبَّنا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا الْقِتالَ لَوْ لا أَخَّرْتَنا إِلى أَجَلٍ قَرِيبٍ ؟ »
. إنهم يهربون من حمل تلك المسؤولية ، ويدافعون الأيام بالتسويف . . إنهم يتمنّون على اللّه أن يؤخر هذا الأمر - أمر القتال - إلى غد . . وذلك الغد لن يلتقوا به أبدا . . إنه كلما جاء حسبوه يومهم ، وانتظروا ما بعده غدا لهم . . وهكذا . . لا يلتقون بالغد أبدا ، ولهذا جاء قوله تعالى :
« قُلْ مَتاعُ الدُّنْيا قَلِيلٌ وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ لِمَنِ اتَّقى وَلا تُظْلَمُونَ فَتِيلًا »
ناعيا عليهم هذا التعلّق الشديد بالحياة الدنيا ، والحرص القوىّ على متاعها . . ولو أنهم