فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلى ما فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ »
( 135 : آل عمران ) فالعلم هنا مقابل للجهالة في قوله تعالى :
« يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهالَةٍ »
، أي أنهم لم يصرّوا على ما فعلوا من منكر وهم يعلمون أن هذا المنكر يجنى عليهم ويحبط أعمالهم ، وإنما هم مغطّى على بصرهم ، لما لبسهم حال غشيانهم المنكر من خفّة وطيش ، فلما استبان لهم وجه المنكر ، وعرفوا عاقبة أمرهم معه ، أنكروه ، وبرءوا إلى اللّه منه .
وقد مدح اللّه هؤلاء ، الذين ينكرون المنكر حتى بعد أن يواقعوه . .
فقال تعالى :
« وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ ما آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلى رَبِّهِمْ راجِعُونَ
أُولئِكَ يُسارِعُونَ فِي الْخَيْراتِ وَهُمْ لَها سابِقُونَ * وَلا نُكَلِّفُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَها »
.
وفي قوله تعالى :
« وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ حَتَّى إِذا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ وَلَا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ »
ردّ وردع لأولئك الذين يستخفّون بمحارم اللّه ، فيهجمون عليها في غير تحرج ولا تأثم ، ويبيتون معها ، ويصبحون عليها ، دون أن يكون لهم مع أنفسهم حساب أو مراجعة . . وهكذا يقطعون العمر ، في صحبة الفواحش ، ظاهرها وباطنها ، حتى إذا بلغوا آخر الشوط من الحياة ، وأطلّ عليهم الموت ، فزعوا وكربوا ، وألقوا بهذا الزاد الخبيث من أيديهم ، وقالوا : تبنا إلى اللّه ، وندمنا على ما فعلنا من ركوب هذه المنكرات ! إنها توبة لم تجىء من قلب مطمئن ، وعقل مدرك ، يحاسب ويراجع ، ويأخذ ويدع ، ولكنها توبة اليائس الذي لا يجد أمامه طريقا غير هذا الطريق . . إنه لم يثب وهو في خيرة من أمره . . فيمسك المنكر أو يدعه ، ويقيم على المعصية أو يهجرها . . وإنما هو إذ يتوب في ساعة الموت ، أشبه بالمكره على تلك التوبة ، إذ لا وجه أمامه للنجاة غير هذا الوجه . . وقد فعلها فرعون من