تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير القرآنى للقرآن — صفحة 342

مساهمون:

ص٣٤٢
وإن لم تكن من تلك الآفات التي تأتى على كل إحسان ، ولكنها تغيّر وجهه ، وتهزل كيانه ، وهي أن يمدّ المحسن يده إلى ما لا تطيب نفسه به ، ولا يشتد حرصه عليه ، من ماله أو متاعه ، أو طعامه ، فينفقه في سبيل اللّه ، ونفسه مستغنية عنه ، زاهدة فيه . . واللّه سبحانه وتعالى طيب لا يقبل إلا طيبا ، فكيف يقدّم إليه ما عافته النفس ، أو استثقلته أو زهدت فيه ؟ واللّه سبحانه وتعالى يقول :
« لَنْ تَنالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ »
( 92 : آل عمران ) فقوله تعالى :
« يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّباتِ ما كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ »
دعوة إلى الإنفاق من الطيب الذي تحبه النفس وتتعلق به ، وفي ذلك تغلّب على نوازع النفس ، واستعلاء على حرصها على هذا الطيب وتعلقها به ، الأمر الذي لا يكون إلا عن مجاهدة وإيثار وتضحية . . فإنه على قدر المشقة يكون الثواب ! وقوله تعالى :
« وَلا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ »
تنبيه وتحذير من نوازع النفس التي تغلبها الأثرة ، عن أن تنفق - حين تنفق - إلا من خبيث ما معها . . وتسمية الشيء المكروه أو المزهود فيه أو المستغنى عنه - خبيثا ، للتنفير منه ، ولاستبعاده في مجال الإحسان ، والإنفاق في سبيل اللّه . . والتيمم هو القصد ، فما كان عن غفلة فليس تيمما . وقوله تعالى :
« وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ إِلَّا أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ »
الإغماض غمض الطرف تكرها ، وتقززا . . ومعنى هذا أن الإنسان لا يرضى أن يأخذ الشيء المزهود فيه أو المستغنى عنه ، أو المشوب المعيب بأية شائبة أو عيب - - إلا متكرها ، فكيف يعطى الإنسان ما هو معطوب معيب ، وهو لا يقبل أن يأخذ مثل هذا المعطوب المعيب ؟ إن ذلك ليس عدلا ، وليس إحسانا ! قوله تعالى :
« وَاللَّهُ غَنِيٌّ حَمِيدٌ »
دعوة إلى البذل والإنفاق في سخاء ، وعلى يقين بأن اللّه سبحانه هو الغنى الذي لا تنفد خزائنه ، يربى صدقة