وثالثا : أضاف كثير من المسلمين يومئذ معركة أحد إلى معركة بدر ، وحسبوها بحسابها . . فما أن رأوا ريح النصر تهبّ عليهم ، وتكاد تسلم أعداءهم لأيديهم ، حتّى أعفوا أنفسهم من مئونة القتال ، وتركوا المعركة للملائكة تتمها كما بدأتها ! ! وذلك تقدير فيه كثير من البعد عن الطريق الذي أقامهم اللّه عليه في تلك المعركة ، وهو أن يكسبوها بأيديهم ، وبصبرهم وتقواهم .
وإنه لو جرت الأمور على هذا التقدير الذي قدّروه ، لما كان بلاء ولا اختبار . . ومن ثمّ فلا ثواب ولا جزاء . . إذ بم يثابون ؟ وعلى أي شئ يجزون ؟ وما فضل المجاهدين على القاعدين ؟ بل ما فضل المؤمنين على الكافرين ؟
« أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ »
؟
إن بلاء المؤمنين وجهادهم ، هو الذي يكشف عن إيمانهم ، ويعطى الدليل العملي لهم وللنّاس ، أنّهم مؤمنون حقّا ، وأنهم أدوا حقّ هذا الإيمان ، بلاء وجهادا .
وفي قوله تعالى :
« وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ »
لا يتعلق علم اللّه بجهادهم وصبرهم . فعلم اللّه واقع على ما كان منهم وما سيكون قبل أن يكون ، ولكن المراد بالعلم هنا ، علم المعلوم في حال وقوعه ، أي علمه على الصفة التي وقع عليها . . وهذا وإن كان واقعا في علم اللّه ، إلا أنه علم غيب لما سيقع ، والمراد بالعلم هنا علم الشهادة لما وقع .
والذي تضمنته هذه الآيات الكريمة ، تعقيبا على هذا الحدث - هو عزاء جميل من اللّه سبحانه وتعالى للنبىّ وللمؤمنين . .