تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير القرآنى للقرآن — صفحة 593

مساهمون:

ص٥٩٣
وهنا يستشعر المسلمون الندم ، ويرون أنّهم على أمر لم يكن يريده النبىّ . . فأقبلوا عليه يسألونه أن يكون عند رأيه الذي رآه . . فأبى عليهم ذلك ، وقال : « ما ينبغي لنبيّ إذا لبس لأمته أن يضعها حتى يقاتل » . . وذلك أنه أقام أمره على عزيمة ، وبهذه العزيمة لبس لبوس الحرب . . وما كان له أن يرجع بعد ما عزم . . فإن هذا الرجوع يعنى انحلال العزيمة ، إذ ليس ثمّة ما يمنع بعد هذا أن يعزم عزما آخر ، ويعود فليبس عدّة الحرب . . وهكذا تستولى عليه حال من التردد بين الإقدام والإحجام . . وليس بعد هذا اجتماع لعزيمة ، أو استقامة على رأى . . وفي هذا ما فيه من ضياع وخذلان ، لأي أمر ، وفي كل عمل ، يدخل عليه التردد من أي باب ! ولهذا كان أمر اللّه لنبيّه الكريم :
« وَشاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ »
( 159 : آل عمران ) قاطعا الطريق إلى التردد بعد العزيمة ، التي تجىء عن مناصحة ومشاورة ! نقول : خرج النبىّ بأصحابه للقاء العدوّ ، ومع المسلمين هذا الشعور الذي وقع في نفوسهم من حملهم النبىّ على هذا الخروج - الشعور بالندم والحسرة - الأمر الذي لو صحبهم إلى المعركة لأفسد عليهم موقفهم من عدوهم ، ولاغتال الكثير من عزمهم وقوّتهم ! وهنا يتلقّى الرسول الكريم من ربّه ، ما يذهب بمرارة هذا الأسى الذي وجده ، ووجده معه أصحابه ، في مجلس الشورى ، وما انتهى إليه . فجاء قوله تعالى :
« وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ فَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ * إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ أَ لَنْ يَكْفِيَكُمْ أَنْ يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَلاثَةِ آلافٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُنْزَلِينَ * »
- جاء قوله تعالى في هذه الآيات . ليذكّر النبي والمسلمين بما كان للّه عليهم
التفسير القرآنى للقرآن — صفحة 593 | عبد الكريم الخطيب