قوله تعالى :
« وَرَسُولًا إِلى بَنِي إِسْرائِيلَ أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ »
أي يتحدث إلى بني إسرائيل ويخبرهم بما أرسله اللّه به إليهم » ويقول لهم :
أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ
، تشهد لي بأنى رسول من عنده ، وتلك الآية هي ميلاده على الصورة الفريدة ، إذ ولد من عذراء لم يمسسها بشر . وإذ كان ميلاده وظهوره في بني إسرائيل آية ، فإن تلك الآية تتولد منها آيات ومعجزات . ومن تلك الآيات ما ذكره القرآن على لسانه :
« أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنْفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْراً بِإِذْنِ اللَّهِ »
فمادة الطين التي منها تخلّقت الكائنات الحية من إنسان وحيوان - هي التي ينشئ منها نماذج لكائنات حية من الطير ، ثم ينفخ فيها فإذا هي في عالم الطير ترفّ بأجنحتها ، وتسبح في السماء ، شأنها في ذلك شأن بنات جنسها من هذا العالم .
ونسأل : لم لم تكن معجزته أن يصوّر من الطين إنسانا ، فينفخ فيه فيكون إنسانا من الناس ، فإن الذي يبعث الحياة في الطين بنفخة منه ، لا يعجزه أن يكون الإنسان أحد مخلوقاته ، كما يفعل ذلك في عالم الطير ؟ وإنه لو فعل ذلك لكان أظهر لآياته ، وأبلغ في معجزته وإعجازه ؟
ولكن لو وقع هذا لكان فتنة للناس . . إذ كيف يعيش مثل هذا الإنسان في الناس ؟ وكيف تطيب له الحياة بينهم ؟ وبأية صلة يتصل بهم ولا نسب له فيهم ؟ ثم ما شأنه بعد أن تتحقق المعجزة فيه ؟ أيظل هكذا معجزة متحركة بين الناس يدورون معه حيث دار ، ويتحركون معه حيث يتحرك ؟ إنها الفتنة الممسكة بالناس إذن ؟
إن شأن المعجزات المادية أن تكون بنت ساعتها ، ثم تختفى فلا يرى الناس لها وجها بعد هذا . . إنها أشبه بإشارة ضوئية ، تلمع ثم تختفى ليكون للناس نظر فيها ، وتقدير لها ، وليخلف عليها نظرهم وتقديرهم ، وبهذا