تخطي إلى المحتوى الرئيسي

من وحي القرآن — صفحة 263

مساهمون:

ص٢٦٣
ولعل هذا هو الأقرب إلى الاعتبار لإبقاء الإطلاق على حاله مع مناسبته للمقسم عليه الذي يتأكد مضمونه بالإشارة إلى سنّة التوالد ، مما يعني بأن مبدأ الاشتقاق ملحوظ في المسألة ، بالإضافة إلى الإيحاء بالإنسان الخاضع لهذا المبدأ الإلهي في سنته الطبيعية التي أجرى الوجود الإنساني عليها . وبهذا يتقدم هذا الوجه على الوجه الأول ، فإن انطباق الآية على إبراهيم وإسماعيل ( ع ) لا يجعل للمبدأ خصوصية في التعبير .

خلق الإنسان في كبد

لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ فِي كَبَدٍ
وهذه هي الفكرة التي أريد تأكيدها ، بالإيحاء بأنه لا حاجة إلى القسم بالبلد ووالد وما ولد لإثباتها ، لأنها في مستوى الوضوح البارز من خلال ملاحظة الإنسان في ولادته ، في ما يقاسيه ، والدا أو مولودا ، من متاعب الحمل والولادة ، وفي نشأته ، في ما يقاسيه من الأوضاع المحيطة بالإرضاع والتغذية والتربية ، وفي ما يطرأ عليه من طوارئ المرض والخوف والجوع والعطش والبلاء المتنوع ، وما يحتاجه في تهيئة شروط حياته وحياة عياله من جهد كبير وأعمال قاسية مجهدة تسلبه النوم والراحة والاستقرار ، وتعرّضه للمزيد من الآلام النفسية ، كالذلّ والمهانة ونحوهما ، مما قد يصدر من الأشخاص أو الجهات التي تشرف على عمله ، وفي ما يواجهه من التحديات التي تتحداه في وجوده أو ماله ، أو في أهله وكرامته ، في ساحات الصراع ، وفي مواقع الطغيان ، مما يفرض عليه أن يدخل في التجارب القتالية التي تهدد حياته ، أو في الصراعات المتنوّعة التي تهدّد استقراره ، وفي ما يعيشه من الحاجة إلى العلم والخبرة اللذين يفرضان عليه أن يتعب من أجل كسب العلم ، وتحريك التجربة واستنطاقها ، وتنمية العقل ، وتقوية الذهن ، وإيجاد الوسائل التي تجعل من حركته في العلم حالة إنتاجية ، بدلا من أن يبقى في حالة استهلاكية .