تخطي إلى المحتوى الرئيسي

من وحي القرآن — صفحة 218

مساهمون:

ص٢١٨

وما جعلنا أصحاب النار إلا ملائكة

وَما جَعَلْنا أَصْحابَ النَّارِ إِلَّا مَلائِكَةً
حدد اللّه ما أراد أن يقوموا به من أدوار في عالم الآخرة ، وذلك هو غيب اللّه الذي يعلم أبعاده سيّما من جهة ما يعلمه من طاقة الملائكة على المهمّات الصعبة التي قد لا يستطيع البشر القيام بها ، مما لا يمثل فيه العدد شيئا مهمّا ، لأن من الممكن أن يقوم ملك واحد بما لا يستطيع البشر أن يقوموا به ، كما نلاحظه في حالة الملك الموكل بمهمة قبض أرواح العباد ، وهذا ما لم يدركه الكفار في مكة عندما سمعوا أنّ الملائكة الذين يشرفون على النار تسعة عشر ، فخيّل إليهم أن ذلك يمثل حالة ضعف في الموقف في النار ، فاستهانوا بها في أسلوب ساخر ، وذلك في ما روي عن ابن عباس ، أنه لمّا نزلت
عَلَيْها تِسْعَةَ عَشَرَ
قال أبو جهل لقريش : « ثكلتكم أمهاتكم أسمع ابن أبي كبشة « 1 » يخبركم أن خزنة النار تسعة عشر وأنتم الدهم ، أيعجز كل عشرة منكم أن يبطشوا برجل من خزنة جهنم » « 2 » فقال أبو الأسد بن أسيد بن كلدة الجمحي ، وكان شديد البطش : أنا أكفيكم سبعة عشر فاكفوني أنتم الاثنين ، وهذا هو ما جعل المسألة اختبارا وامتحانا للكافرين الذين يسارعون إلى الاعتراض والاستهزاء بما لم يفهموا طبيعته وأبعاده الغيبية ، وذلك هو ما أشار إليه اللّه سبحانه في قوله :
وَما جَعَلْنا عِدَّتَهُمْ إِلَّا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا
الذين لم يتابعوا الفكرة مع النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم ليسألوه عن تفاصيلها ، ليعرّفهم ما عرّفه اللّه إياه ، لأنهم ليسوا في موقع التفاهم القائم على الحوار ، بل كانوا في مواقع الإنكار والسخرية ، أمّا الذين يملكون علم الغيب من خلال الوحي الذي أنزله اللّه على الأنبياء ، فإنهم يؤمنون بمصادر العلم اليقينية في رسالات اللّه .
هامش
( 1 ) يقصد النبي محمد صلى اللّه عليه وآله وسلم . ( 2 ) الدر المنثور ، ج : 8 ، ص : 333 .
من وحي القرآن — صفحة 218 | السيد محمد حسين فضل الله