تخطي إلى المحتوى الرئيسي

من وحي القرآن — صفحة 329

مساهمون:

ص٣٢٩
رضى اللّه ، انطلاقا من محبتهم له وإخلاصهم لربوبيته ، وبذلك وصلوا إلى مواقع القرب منه .
أُولئِكَ الْمُقَرَّبُونَ
الذين قربهم اللّه إليه لقرب أرواحهم إليه وأعمالهم بين يديه ، وأدخلهم
فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ
التي أعدّها للمخلصين من عباده ، وهؤلاء ليسوا كثرة في تاريخ حركة الإنسان ، لأن الإيمان الأعلى ، والالتزام الأفضل ، والسبق المميز ، يحتاج إلى روحية عالية تتجاوز الوضع العاديّ ، مما يفرض كثيرا من المعاناة والجهد والتضحية داخل النفس وخارجها ، ولذلك فإن حجم هؤلاء العدديّ يختلف بين التاريخ القديم وبين الحاضر الجديد ، فهم
ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ
، ولعل ذلك ناشئ من قلّة التعقيدات ، في ما يمكن أن يزحف إلى الذات من مشاغل ومشاكل وأوضاع تشغل الإنسان عن ربه ، وتبعد الصفاء عن روحه ، وتثير فيه النوازع المادية التي توجهه إلى شهواته وملذاته وأطماعه ، وتنطلق به في ساحات الأنانية الذاتية ، ولذلك فإن فرص الوصول إلى الانفتاح على اللّه كثيرة ،
وَقَلِيلٌ مِنَ الْآخِرِينَ
الذين يعيشون كثيرا من التعقيدات التي يفرضها تقدم الحياة ، ذلك أن المفردات التي تعبث بحياة الإنسان في جزئياتها الصغيرة وعناوينها المختلفة كثيرة ، مما يجعله يخلد إلى الأرض بشكل كبير في العمق والامتداد . .
عَلى سُرُرٍ مَوْضُونَةٍ * مُتَّكِئِينَ عَلَيْها مُتَقابِلِينَ
في جلسة استرخاء حافلة بالمشاعر الأخوية في جوِّ من الاندماج الروحيّ في مجتمع الجنة الجديد ، انطلاقا مما كانوا يعيشونه من محبة أخوية في الدنيا ،
يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدانٌ مُخَلَّدُونَ
في إشراقة الروح وجمال الوجه ودوام الحيوية ، فلا يهرمون ، ولا يموتون ولا يضعفون ، وتبقى مهمتهم الطواف على هؤلاء المتّقين السابقين إلى الخيرات ، في ما يريده اللّه لهم من الكرامة ،
بِأَكْوابٍ وَأَبارِيقَ وَكَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ * لا يُصَدَّعُونَ عَنْها وَلا يُنْزِفُونَ
أي لا يأخذهم صداع الخمر الذي يحصل من خمر الدنيا ،
وَلا يُنْزِفُونَ
أي لا يزول عقلهم بالسكر الحاصل منها . وبذلك نعرف أنَّ مشكلة الخمر ليست في اسمها ، بل في تأثيراتها السلبية على عقل الإنسان وحياته ، فإذا
من وحي القرآن — صفحة 329 | السيد محمد حسين فضل الله